تبقى كوريا الشمالية أحد أكثر بلدان العالم غموضاً في السياق الدولي الراهن. هذا فضلاً عن أن الفكرة السائدة عنها، أنها أيضاً أحد أكثر البلدان فقراً، وأكثرها فردية من حيث النظام السياسي الحاكم فيها. ولكنها بلاد تعود أيضاً إلى ساحة الاهتمام بها، كما تدل سلسلة الكتب الصادرة عنها مؤخّراً.
ومن بين هذه الكتب، العمل الذي يقدّمه الصحفيان «دانييل تودور» و«جيمس بيرسون»، المراسلان الصحافيان الخبيران، اللذان أقاما لسنوات عديدة في سيئول، عاصمة كوريا الشمالية، وصاحبا الخبرة الطويلة في القضايا المتعلّقة بتلك المنطقة الحسّاسة من العالم.
ويتحدث المؤلفان في هذا الكتاب، عن مختلف جوانب الاقتصاد والسياسة والمجتمع في كوريا الشمالية، وبحيث يشمل اهتمامهما الأسواق الخاصّة والموضة ومعسكرات الاعتقال والمعارضين والهاربين من البلاد. يحمل الكتاب عنوان «كوريا الشمالية السريّة».
الصورة التي يتم رسمها لكوريا الشمالية، هي أنها «أكثر تعقيداً» من تلك التي يتم رسمها لها بسرعة في وسائل الإعلام الغربية. وإذا كان المؤلفان يؤكّدان على أن السمة الكبيرة التي تتميّز بها، هي أنها تتحلّى بقدر كبير من الجمود على الصعيد السياسي. لكنهما، مع ذلك، يجدان العديد من «الأسباب التي تدعو للأمل بتغير كبير في النهج».
ومن السمات التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب أيضاً، أن كوريا الشمالية، هي «رسمياً» دائماً ذات نمط اشتراكي، من حيث الاقتصاد المخطط الذي تشرف عليه الدولة رسمياً، وتسعى باستمرار إلى الوصول لنوع من «الاكتفاء الذاتي». لكن ذلك لا ينفي أنها تتلقّى الكثير من المساعدات، خاصّة من الصين.
ويذكّر المؤلفان بالحرب الكورية قبل عدّة عقود، وكيف أن كوريا الجنوبية «أقلعت اقتصادياً» في سنوات السبعينيات، بعد تحوّلها إلى نمط الاقتصاد الرأسمالي ــ اللبرالي، بينما حافظت كوريا الشمالية على نمطها السابق، وكذلك على تخلّفها الاقتصادي.
ثم واجهت في سنوات التسعينيات «المجاعة الكبيرة»، التي يعتبرها المؤلفان بمثابة المنعطف الكبير الذي كان وراء حدوثه عاملان أساسيان، هما «فشل السياسات الحكومية» و«سوء الأحوال الجويّة». كما جاء انهيار الكتلة الاشتراكية، إثر سقوط جدار برلين عام 1989، ليمثّل ضربة ثانية كبيرة بالنسبة لكوريا الشمالية.
ولا يتردد المؤلفان في التأكيد أن الحكومة الكورية تصرّفت حيال تلك السوق السوداء، بكثير من الهدوء، وبعيداً عن التمسّك بالصرامة التي اتسمت بها. ذلك على خلفية إدراكها أن كبح ذلك الاقتصاد «الموازي»، الذي ظهر وانتشر، سيضع البلاد، أي الكبح، على شفا هاوية حقيقية.
ويشير المؤلفان إلى أن أسواق المنتجات المهرّبة «انتشرت في مختلف مدن وبلدات كوريا الشمالية. وأن نشاطات تلك الأسواق، لم تعد تقتصر على المواد الغذائية، بل أصبحت تشمل «مواد التجميل الصينية وتسجيلات الأفلام السينمائية الكورية الجنوبية، وحتى سراويل الجينز ذات اللون الأسود ــ ذلك أن الجينز الأزرق مفرط في إبراز الهوية الأميركية».
وفي المحصّلة العامة للتحليلات المقدّمة، يحرص المؤلفان على عدم الاستنباط من مسار التطور في كوريا، أن النظام هو في طريقه للسقوط السريع. والتأكيد أن النخب ستحاول الاستفادة من داخله، وليس بإسقاطه. لكن بالمقابل، لا يمكن إغفال التبدلات الحاصلة التي قد تؤدي إلى «شروخ خطيرة»، سيكون من الصعب معها العودة إلى الوراء.

