يبقى المستقبل بالنسبة لكل إنسان هو أحد الأسئلة الكبرى المطروحة على الجميع. وليست قليلة هي التساؤلات التي يطرحها كل إنسان على نفسه عمّا ستكون عليه مسيرة حياته. فهل سيكون سعيدا في الحياة؟ وفي العمل؟. وأسئلة عمّا ستكون عليه أحوال أولئك الذين يحبهم؟ ومستقبل البلاد؟ والعالم؟

عن مثل هذه الأسئلة والكثير غيرها حاول البشر في جميع العصور تقديم بعض الإجابات. ولا يزالون يحاولون ذلك. والجميع يعرفون أن من حاولوا ويحاولون ذلك لجؤوا إلى الكثير من الوسائل والأدوات من «قراءة الكفّ» إلى استكشاف النجوم ومن الأساطير إلى علوم المستقبل.

لكن «هل يمكن ترقّب المستقبل؟»، هذا هو عنوان الكتاب الأخير الذي يقدّمه المفكر الاقتصادي والسياسي الفرنسي «جاك اتالي» الذي ترأس لسنوات «بنك الاستثمار والتنمية الأوروبي»، وكان مستشارا خاصا لدى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران ومؤلف عشرات الكتب في الاقتصاد والسياسة والفكر كما في الأدب من رواية وأعمال مسرحية.

تجدر الإشارة إلى أن جاك اتالي، مؤلف هذا الكتاب، يؤكّد في قراءته للمستقبل الاقتصادي لفرنسا تفاؤله، ذلك على عكس الكثير من التوقعات. وبعد أن يشير جاك أتالي على هيمنة الآلة في العصر الرقمي، يؤكّد في هذا أيضاً أن «حريّة البشر» لا تبدو مهددة بشكل نهائي. ذلك على أساس أنه يمكن للمرء أن يترقّب بدرجة معقولة ما يستطيع أن يفعله بالنسبة لمستقبله.

هذا بمعنى أنه يمكن للإنسان أن يكون طليعيا بالنسبة لهذا المستقبل عبر أن يكون فاعلا فيه. ويرى أن «الترقّب الجيّد» يكمن في احتمال درء كارثة تلوح في الأفق. بل يذهب المؤلف في مثل هذا المنطق إلى حد القول :« إن ترقّب الإنسان لما يمكن أن يكون عليه مستقبله وتصوره يعني المساهمة في بنائه».

يفتح «جاك اتالي» في هذا السياق قوسين كي يؤكّد أن أحد الأخطار القائمة اليوم يكمن في «تمجيد اللحظة الحاضرة». أو ما يسمّيه «انتصار اللحظة». وما يمكن أن يعني، بمعنى ما، «نهاية التاريخ» عبر «تجميده في اللحظة الراهنة»، حسب مشيئة «دكتاتورية اللحظة».

و«سيناريو آخر» يغلب عليه التفاؤل ويجده في قيام «أوروبا اتحادية ــ فدرالية» ــ بين منطقة من 20 بلدا تقريبا مع برلمان وحكومة وجيش ورئيس في «منطقة اليورو».

ويقيم المؤلف هذا «السيناريو ــ الاحتمال» على أساس أن جميع الأزمات الحديثة العهد التي عرفتها مسيرة التوحيد الأوروبي نجم عنها تقدّم نحو الصيغة الأكثر «فدرالية».

هكذا مثلا نجم عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة ثم عمّت العالم قيام «الاتحاد المصرفي» الأوروبي. والأزمة اليونانية أنتجت ما يسميّه المؤلف « الآلية الأوروبية للاستقرار» مع امتلاك «قوّة ضاربة» من 500 مليار يورو. ومن التوقعات التي يترقّبها المؤلف أن يؤدّي ضغط الهجرة وموجات المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، إلى إنشاء شرطة أوروبية مشتركة لفرض الرقابة الفاعلة على الحدود.

ولا يتردد المؤلف في القول إنه ترتسم في الأفق إمكانية قيام حرب عالمية ثالثة في أواسط عقد الثلاثينات من القرن الحالي. لكن مع الإشارة إلى أن «تجنّبها لا يزال أمراً ممكناً ».