من المواضيع المطروحة كثيراً على النقاش في المجتمعات الغربية التي يطلقون عليها توصيف الديمقراطية موضوع «الفرد» ودوره ومكانته وقبل كل شيء استقلاليته وهل هو «فرد» أم «مواطن»؟ هذا في سياق حالة من «التآكل»، حسب التعبير الذي يستخدمه الكثير من المحللين، الذي تعاني منه المنظومات الديمقراطية الغربية كما يدل العديد من المؤشرات والمظاهر.
في مواجهة مثل هذه الحالة تقدّم «سينتيا فلوري»، المحللة النفسانية والباحثة الفلسفية الفرنسية، كتابها الذي تشرح فيه أن «دفّة الإنقاذ» من حالة التشوش والتقهقر القائمة هي إعطاء «نفحة جديدة للمواطنة» وأن تنتعش «المسؤولية الفردية» التي خبت في الفترة الأخيرة. يحمل الكتاب عنوان «من لا يمكن استبدالهم».
تشير المؤلفة في البداية إلى فكرة سائدة مفادها أنه «يتم غالبا النظر إلى الفرد على أنه المسؤول الأوّل عن تشظّي الحياة العامة، المجتمعية، وأنه يزدري قيم دولة القانون ومبادئها». ثم تعرض مباشرة فكرة أخرى تذهب في اتجاه القول ان دولة القانون نفسها تقتضي المحافظة على حرّية من يعيشون في إطارها وأن التزامهم وتصميمهم على استمرارها يشكّل أمراً جوهرياً في المحافظة على توازنها واستقرارها.
تشير المؤلفة في البداية أيضاً أن «من لا يمكن استبدالهم»، كما يقول عنوان كتابها كانوا، كما توهّمت، «الديمقراطيين». لكنها أدركت، حسب قولها، أن استمرار دولة القانون يتطلّب «التزام المواطنين» بحمايتها.
ما تؤكّد عليه المؤلفة في تحليلاتها هو أن المسألة لا تتعلّق برفع مبادئ وشعارات ولكنها قبل كل شيء مسألة «ممارسات». وترى أن الواجب الأول المطروح على الجميع اليوم هو «ردم الهوّة» بين المبادئ والممارسات.
والكتاب يندرج في سياق، ويشكل استمرارية، للعمل الذي قدّمته المؤلفة عام 2005، حول «أعراض أمراض الديمقراطية» والذي تشير له مرارا في مرجعياتها بهذا العمل الجديد. وبعد أن كانت قد حذّرت من خطر «تآكل العقد الاجتماعي» الذي تتأسس عليه المنظومات الغربية، تتساءل اليوم عمّا إذا كانت الرابطة بين ما هو فردي ــ الفرد ــ وما هو جماعي ــ المجتمع ــ لم تعد تعمل بفعالية أو أنها فقدت دورها؟.
