من السمات التي يتم التأكيد عليها في المجتمعات الغربية الحديثة أنها تتسم بقدر كبير من الاستقلال الذاتي في سلوك الأفراد. ذلك على خلفية تراجع كبير في القيم التقليدية بمختلف مرجعياتها مقابل قدرة الأفراد على تقرير نمط سلوكهم وفيما هو أبعد من ذلك نمط حياتهم، ذلك على اعتبار أنهم مستقلّون عن بعضهم فيما يشبه العزلة شبه الكاملة.

ويجد القائلون بمثل هذا الرأي مرجعياتهم الأساسية في أفكار عصر التنوير في القرن الثامن عشر الذي أعطى للفرد قيمته الخاصّة وأكد على حرّيته الشخصية.

لكن «اريك موران»، عالم الاجتماع والباحث الاقتصادي الفرنسي المعروف، ومؤلف سلسلة طويلة من الكتب عن الحياة الاجتماعية الفرنسية، له رأي مختلف يعرضه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «تصنيع السلوك الامتثالي» الذي يكرّسه لتبيين آليات عمل السلوك الاجتماعي في المجتمعات الغربية الحديثة «الاستهلاكية» انطلاقا من دراسة حالة المجتمع الفرنسي.

ينطلق المؤلف في بحثه من خلال إيراد بعض الملاحظات عن أنماط السلوك السائدة في المجتمعات المعنيّة. هكذا يسوق امثال أولئك المتقاعدين من العمل بعد أن أمضوا فيه سنوات طويلة، وأولئك «المتحررين» من الالتزام بأي عمل له واجباته وساعاته..

وأولئك الذين ليسوا مسؤولين عن تربية طفل أو أنماط أخرى من البشر الذين يجمع بينهم كلّهم الحرص على أن يمضوا العطلة الصيفية «في نفس الأماكن» و«خلال نفس الفترات الزمنية» التي يمضيها فيها الآخرون الملزمون بتربية أطفال وبفترات مدرسية وبأعمال تفرض التزاماتها.

إن المؤلف ينطلق في أطروحاته من مقولة أساسية مفادها أن «القواعد الكبرى العقائدية والاجتماعية قد شهدت حالة من التراجع، وتراجعت معها اشكال السلوك التقليدية التي كانت قد فرضتها على الجميع على صعيد كل ما يتعلّق بالحياة الاجتماعية».

ويشرح المؤلف أن الخطاب السائد، الذي يوجهه السياسيون للأفراد على أساس «استقلاليتهم الذاتية» الكاملة والشاملة وبأنهم «ذرّات لا جذور لها»، لا يصل إلى المجتمع عامّة «كما يتصورون». بل يبقى خطاباً «نخبوياً» و«ليس منتجاً» إلى درجة كبيرة ويصل إلى أفراد ولكن ليس إلى المجتمع كلّه. هذا إلى جانب إهمال بعض الروابط التي تقوم من خلال أطر تحدد سلوك البشر الذين ينتمون إليها.