يتفق المؤرّخون على القول إن القرن العشرين كان إحدى أكبر الفترات فتكاً وقتلاً وتدميراً في التاريخ الإنساني. ولا شكّ أنه الأكثر بينها بالنسبة إلى القارّة الأوروبية التي انطلقت منها حربان كونيتان وكانت مسرحهما الرئيسي، حيث وصل ضحاياهما من الأوروبيين إلى عشرات الملايين بين قتيل وجريح.
ويتفق الجميع على أن التاريخ يكتبه دائماً المنتصرون وتنتشر الروايات الرسمية له على أنها حقائق كاملة. لكن المؤرخ الفرنسي الشهير «مارك فيرّو»، الأخصائي الفرنسي المعروف بالتاريخ الروسي والتاريخ السوفييتي، يعود إلى تاريخ القرن العشرين في كتاب يحمل عنوان «العمى، تاريخ آخر لعالمنا».
ويبدأ المؤلف ــ المؤرّخ تأريخه «النقدي» للقرن العشرين بطرح عدد من الأسئلة، مثل: لماذا نحن مصابون بالعمى أمام العديد من حقائق الواقع؟. لماذا لم نرقب قدوم أحداث كبرى مثل صعود النازية وأحداث مايو المعروفة بـ«ثورة الطلبة» عام 1968 في فرنسا وسقوط المعسكر الشيوعي وتفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن عام 2001 والأزمات الاقتصادية الكبرى وغير ذلك من الأحداث التي هزّت نظام العالم الذي نعيش فيه؟.
ويشير المؤلف إلى أن الثورة الرقمية التي يعيشها العالم أدّت إلى إدراك أن هناك أحداثاً أخرى كثيرة وقعت دون أن يترقبها المعنيون بها مباشرة.
يبحث المؤلف في الأسباب التي أدّت إلى ذلك «الغياب الكبير» للعقل النقدي في قراءة التاريخ. والإشارة أن ذلك الغياب ظهر بأجلى صوره في القرن العشرين.
أمّا الخلفيات التي قام عليها، غياب القدرة على رؤية ما هو قائم من أخطار، رغم أن جميع المعلومات الخاصّة بها كانت متوافرة، فيجد المؤلف آليات عملها الرئيسية في رفض البشر المعنيين لرؤية الواقع «كما هو بكل مكوناته وتوصيفاته وتعييناته»، بل رؤيته من خلال «نظرة إيديولوجية» أو بـ «عدم الاهتمام الكافي» أو بـ« نوع من السذاجة العفوية».
إن المؤلف، ومن خلال سلسلة طويلة من الأمثلة التي يقدّمها يصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن «العمى» هو «السمة التي يشترك فيها جميع العالم». وفي جميع الحالات يبدو أن التحليل السائد كان بالأحرى هو إعطاء الأولوية لمعالجة «نتائج الأزمات» وليس «منع وقوعها».
