هل لايزال «الحلم الأميركي» يمتلك اليوم قوّة الجذب نفسها التي كانت له حتى الأمس ليس بالبعيد؟. الإجابات على مثل هذا السؤال تتنوّع كثيراً وتتراوح بين التأكيد على أن ذلك «الحلم الأميركي»، بما يعنيه بالنسبة للكثير من البشر في مختلف مناطق العالم، لا يزال يحظى بالحماس والبريق نفسيهما، وبين التأكيد المقابل على أنه «حلم ينتمي إلى الماضي» وأن واقعا جديدا أعطاه صورة أقل بريقا وبالتالي تضاءلت قوّة جذبه.
بكل الحالات يولي الاختصاصي الفرنسي بعلم الاجتماع «نيكولا دوفو»، الأستاذ في جامعة باريس الثامنة، اهتمامه لرصد ظاهرة من يصفهم بـ «المنسيين» من ذلك الحلم في كتابه الأخير الذي يحمل عنوانا رئيسيا مفاده : «المنسيون من الحلم الأميركي. وهو يشرح فيه ظاهرة أولئك «المنسيين» من خلال العلاقة بين جمعيات مؤسسات المساعدة الإنسانية والدولة والفقر في المدن، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
المواضيع الأساسية التي يتطرّق لها المؤلف في هذا العمل تجد ما يدل عليها وعلى مضمونها محتويات الكتاب نفسها. هكذا يعرض المؤلف في مقدّمة طويلة رؤيته لـ«الولايات المتحدة والمسألة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين» ولـ«المسألة الاجتماعية في المرآة الأميركية». ويأخذ البحث صيغة تحقيق لدى المؤسسات ذات الطابع الإنساني أجراه المؤلف عبر مقاربته العديد منها العاملة في مدينة «بوسطن».
يبقى الموضوع الأساسي والجوهري للكتاب حالة الفقر والتهميش الاقتصادي والاجتماعي التي يعرفها أبناء الأحياء الفقيرة في المدن الأميركية الغنية، والذين يشكّلون نسبة هامّة في مجتمع المدن بالولايات المتحدة. لكن الأداة التي يستخدمها المؤلف في بحثه الاجتماعي هي مؤسسات المساعدة الإنسانية المنتشرة بكثرة في الولايات المتحدة الأميركية والتي تلجأ لها الدولة في الكثير من الأحيان لتنفيذ سياساتها الاجتماعية في المدن الكبرى. من هنا تأتي العلاقة بين «مؤسسات المساعدة الإنسانية والدولة والفقر في المدن»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
ويحاول نيكولا دوفو من خلال موقعه كباحث في المجال الاجتماعي أن يقوم في التحليلات التي يقدّمها بمقاربة مسألة يعتبرها بمثابة «عامل تخريب كبير» للبنية المجتمعية الأميركية. ويتمثّل في التفاوت الكبير في مستويات المعيشة والدخل بين الأميركيين الذين يعيشون في مدينة واحدة.
