تختلف الآراء كثيرا حول القارّة الإفريقية وموقعها في عالم الغد. إنها تمثّل بالنسبة للبعض أرض الفقر «المزمن» وأن الأفق لا يسمح بالتفاؤل بالنسبة لمصير هذا الجزء من العالم.

ويرى آخرون أن إفريقيا هي بصدد النهوض وأنها إلى هذه الدرجة أو تلك «حظّ ٌ» لمستقبل العالم. ذلك أنها «الخزّان البشري» الكبير في الوقت الذي تنحسر فيه أعداد السكان في العديد من المناطق الأخرى وخاصّة البلدان المتقدّمة. هذا فضلا عن أن إفريقيا هي «مستودع» غذائي كبير سيكون العالم بحاجة ماسّة له في المستقبل المنظور.

ولا شكّ أن الأنظار التي ترصد المصير الإفريقي ودوره على المستوى العالمي تولي بالدرجة الأولى اهتمامها للمسائل الاقتصادية. والمؤرّخ للتاريخ الاقتصادي «مورتن جيرفن» يكرّس عمله الأخير للبحث في الأسباب التي جعلت خبراء الاقتصاد العالميين «يخطئون» في الآراء التي يقدمونها حول القارّة الإفريقية. يحمل الكتاب عنوان الكتاب « إفريقيا:

 

لماذا أخطأ الاقتصاديون». ما يحاول المؤلف أن يشرحه، أن نقطة الانطلاق في النظرة إلى إفريقيا هي «الخاطئة» في الأساس. وبالتالي يسعى الاقتصاديون المعنيّون إلى تقديم تفسيرات لواقع «متخيّل» ولا ينطبق على المعطيات الملموسة.

هذا بمعنى أن النمو الاقتصادي الإفريقي «لم يفشل». لكن ينبغي فهم الأمور في سياقها التاريخي والاجتماعي واستقراء ما تقوله الأرقام في إطارها الزمني وعبر المقارنة مع الأوضاع السابقة وليس المقارنة مع النمو في البلدان المتقدّمة.

ويدرس المؤلف كيف أن الاقتصاديين الذين جعلوا من النمو الاقتصادي الإفريقي موضوع أعمالهم «أساؤوا استخدام الإحصائيات» الخاصّة بالقارّة الإفريقية، مع الإشارة إلى أنها إحصائيات «مشكوك بصحّتها أصلا». ويحدد القول إن الإحصائيات الإفريقية التي يمكن النظر بقدر من المصداقية، ولكن ليس إلى الدرجة التي يمكن معها اعتمادها كمصدر نهائي، تمّ الشروع بها غالبا اعتبارا من مطلع عقد الستينات المنصرم.

ويشرح المؤلف أنه بالاعتماد على مجموعة من المعطيات «الخاطئة» تمّ «نسج » رواية عن فشل النمو في إفريقيا، وعلى أساس فشل جميع مشاريع التنمية.

الأمثلة المذكورة على ذلك عديدة مثل تلك التي أعدّها «بول كولييه» الذي تحدّث عن «مليار فقير» في إفريقيا وما شابهها. هذا في الوقت الذي تدلّ فيه مؤشرات عديدة على «نمو سريع» في عدد من البلدان الإفريقية منذ أواسط عقد التسعينات الماضي. ويطرح، بعد الإشارة إلى استئناف «تردي النمو الاقتصادي الإفريقي» في العقد المنصرم،السؤال التالي: كيف يمكن لباحثين اقتصاديين أن يتجاهلوا عقودا من النمو الاقتصادي؟

على مثل هذا التساؤل يجيب المؤلف إن التجاهل يعود إلى نماذج وبراهين «انتقائية» في التحليل وفي الفترات الزمنية المدروسة. هكذا أدّى التقهقر في النمو الاقتصادي الإفريقي خلال سنوات الثمانينات ثم حالة الجمود الذي تبعت ذلك في سنوات التسعينات كان منهما « إلى طمس التقدّم الذي تمّ تحقيقه في سنوات الستينات والسبعينات».

ويكرّس المؤلف العديد من صفحات الكتاب لشرح الدور الذي لعبته وسائل الإعلام مع التركيز على مجلّة «الإيكونوميست» وغيرها من الدوريات الغربية الاقتصادية في تقديم صورة مغرقة في التشاؤم للحالة الاقتصادية الإفريقية في فترة ما بعد الحقبة الاستعمارية.

بالمقابل يشرح المؤلف أن العديد من العوامل أدّت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الأغلبية الساحقة من بلدان القارّة الإفريقية. ومن العوامل التي يذكرها المؤلف ويرى أنها كانت بالمحصّلة العامّة معطّلة للنمو الاقتصادي خلال عقدي الثمانينات والتسعينات الماضيين: الانتشار الكبير لمرض نقص المناعة المكتسب«الأيدز»، حالة الفقر الشديد .

وحول الأسباب التي يرى المؤلف أن الاقتصاديين «التقليديين»أخطؤوا في تقييمهم للنمو الاقتصادي الإفريقي خلال النصف الثاني من القرن العشرين يشير إلى أن تلك الفترة نفسها عرفت نمّوا استثنائيا في بلدان جنوب شرق آسيا ــ التنينات الآسيوية ــ مما جعل النظرة «قاتمة أكثر» بالنسبة للبلدان الإفريقية.

بالإجمال تكمن الأخطاء الرئيسية التي «اقترفها الباحثون الاقتصاديون التقليديون» في رؤيتهم للنمو الاقتصادي الإفريقي في تحليلات المؤلف في : تبني، نقطة انطلاق، فرضية وجود رابطة سبب بنتيجة بين سمات أي بلد وبين مؤشرات التنمية، وهذا ما يراه خطأ فادحا في التحليل الاقتصادي. وخطأ آخر يحدده بعدم الاهتمام بــ « التفاصيل الإحصائية » وربطه بواقع المعطيات على الأرض.