تُمثّل حالة «الاستياء الفرنسي» خلال العقدين المنصرمين مادة للنقاشات العامة على الصعيد الأوروبي والعالمي. ذلك أنه هناك إحساس بتقهقر مكانة الثقافة والفكر الفرنسيين ومكانة فرنسا عامّة. ذلك بالقياس إلى ما كانت عليه الأمور خلال العقود التي تلت مباشرة نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أسماء مفكري فرنسا وفلاسفتها وأدبائها من أمثال ريمون آرون والبير كامو وجون بول سارتر وكُثر غيرهم تلمع في سماء عالم المعرفة.
الصورة السائدة في نظر العالم عن الفرنسيين هي أنهم «متغطرسون» و«من العسير قيادتهم»، وسلسلة من التوصيفات الأخرى التي تصب في نفس المنحى السلبي. لكن هذا لا يمنع واقع أن فرنسا الفكرية والثقافية أثارت اهتمام الكثير من المؤرّخين والباحثين في فرنسا والعالم.
ومن بين هؤلاء المؤرّخ البريطاني «سودير هازاريسينج»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أكسفورد، وأحد الاختصاصيين المعروفين عالميا بتاريخ فرنسا بعد كتابته لسيرة نابليون بونابرت الذي خصّه بكتاب صدر عام 2007 وغدا مرجعا تحت عنوان «أسطورة نابليون».
هذا المؤرّخ يكرّس كتابه الأخير لكتابة نوع من التاريخ الفكري لفرنسا الحديثة بعمقها التاريخي الذي يعود إلى عدّة قرون خلت. يحمل الكتاب عنوان «كيف يفكّر الفرنسيون».
وعلى مدى صفحات هذا الكتاب يبرز المؤلف ــ المؤرّخ ما يعتبره «السمات الثقافية» الكبرى لفرنسا الحديثة. ويحدد أن من أهم تلك السمات تلك «الدينامية النشيطة» التي تتحلّى بها في جميع مجالات الفكر ولكن أيضا في مجال «الأفكار السياسية».
لكن مقابل الصورة «الفاتنة» التي يرسمها المؤلف لفرنسا الفكرية في مسارها التاريخي الممتد منذ عدّة قرون من الزمن فإنه يشير بأشكال عديدة إلى أنها أضاعت في العقود المنصرمة الأخيرة الكثير من تفاؤلها وغدت مسكونة بمسألة «هويتها» لتغدو اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إحياء صورة فرنسا «ذات القيم الكونية». والكتاب هو أيضا بأحد وجوهه نوع من التأريخ الفكري «المكثّف» لمجمل الحركات والمدارس والتيارات الفكرية والفلسفية وبالنتيجة السياسية التي شهدتها فرنسا خلال القرون الأربعة المنصرمة. كما انه بمثابة تاريخ فكري لفرنسا.
