من المعروف أن الأهل في جميع الأمكنة والأزمنة وفي كنف جميع الحضارات تقريباً جهدوا حتّى الأمس القريب من أجل أن يزوّدوا أبناءهم بقيم الماضي ومعارفه من أجل تحضيرهم لمواجهة المستقبل. ومن المعروف أيضاً انه هناك اليوم تساؤلات كثيرة وكبيرة حول هذا المستقبل بفعل المتغيرات الكبرى التي انتجتها الثورة الرقمية وما ترتب عليها من أسئلة حول الصورة التي سيكون عليها عالم الغد.
و«رسائل إلى أهلي حول عالم الغد»، هو بالتحديد عنوان الكتاب الأخير للصحافية الفرنسية «دومينيك نورا»، الذي تحاول فيه تقديم بعض المؤشرات حول الصورة التي ستكون فيها معالم العالم الذي سيعيش فيه البشر مستقبلاً.
الصحافية الفرنسية تعتمد في «رحلتها» على الرسائل التي يبعثها لها ابنها الشاب عن تجاربه في «وادي السيليكون»، عرين صناعات التكنولوجيات الرقمية في الولايات المتحدة الأميركية. ويفهم القارئ أن الابن يدعى «إيميل» وهو في السابعة والعشرين من عمره ويعمل لحساب شركة «اوبي فرانس»، التي تنشط في مجال مساعدة الشركات الفرنسية المتوسّطة على الوجود والانتشار في كالفورنيا.
تلك الاضطرابات تجد صداها في أسئلة تطرحها المؤلفة بأشكال عديدة. أسئلة من نوع : هل غدونا اليوم مجرّد دمىً بيد الشركات الكبرى متعددة الجنسيات العملاقة العاملة في مجال الصناعة الرقميّة؟. وتحدد كبريات الشركات المعنيّة في تلك المسيطرة على عالم «الويب» مثل غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون وغيرها.
وتجيب المؤلفة عن مثل هذا التساؤل بالقول إن التقنيات الرقمية أثبتت بالتأكيد حضورها «الطاغي» في مختلف النشاطات التي يمارسها البشر في حياتهم اليومية. وتصل المؤلفة إلى صياغة موقف يمكن وصفه بـنوع من «التفاؤل المحسوب». وهي تعبّر عن ذلك بما معناه أن الشركات الرقمية العملاقة تقدّم الكثير من الوعود حول إمكانية التوليف بين الخيال العلمي ومجموعة من الأفكار الطوباوية. وهذا يفسح المجال لشيء من الأمل، كما تشرح «دومينيك نورا» بأشكال مختلفة في الكتاب.
