عرفت رواندا، البلد الإفريقي الفقير في ربيع وصيف عام 1994 مجزرة إبادة بشرية كبرى ذهب ضحيتها ما يقارب المليون نسمة ــ 800000 ضحيّة على الأقل خلال مدّة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. كان ذلك نتيجة حرب أهلية مدمّرة تواجهت فيها قبيلتا ــ إتنيتا ــ الهوتو والتوتسي اللتين يتشكل منهما النسيج المجتمعي لتلك البلاد.

استمرّت تلك المذبحة أسابيع طويلة دون أن يوليها العالم اهتمامه. ذلك إلى أن عرضت شاشات التلفزيون ذلك المشهد المرعب لآلاف الجثث الطافية على سطح مياه نهر الكونغو. الصحفي الفرنسي جان هاتزفيلد، الذي عمل لسنوات مراسلا حربيا لصحيفة «ليبيراسيون» غطّى خلالها أخبار الأحداث الساخنة في لبنان وفلسطين والحرب الأهلية اليوغسلافية ومذابح رواندا في نهاية عمله الصحفي..

يقدّم كتابه الخامس عن تلك المجزرة التي كان قد عايش أحداثها يوما بعد يوم. يحمل الكتاب عنوان «أب من دمّ». المعنيّون بهذا الكتاب هم أولئك الأطفال الروانديون الذين عاشوا رعب المجزرة وشاهدوا آباءهم وأهلهم وجيرانهم يقتلون أو يُقتلون في مواجهات كانت السواطير والفؤوس هي الأسلحة الرئيسية فيها. ويشير المؤلف إلى أن دافعه المباشر لعودته من جديد إلى المأساة الرواندية بعد عقدين عليها كان تلك التوصيفات التي كتبها صحفيون فرنسيون في مقالاتهم.

ذلك بعد عودتهم من رواندا حيث شاركوا في صيف عام 2014 بذكرى مجزرة 1994. وهذا الكتاب «أب من دمّ» مكرّس بالتحديد لأولئك الأطفال الذين كان آباؤهم من القتلة الذين ساهموا في المجزرة أو كانوا من الذين نجوا من القتل. ومما يكتبه جان هاتزفيلد حول ما سمعه من المعنيين:

«في نياماتا ــ أحد مناطق رواندة ــ عندما يستمع المرء لأسر من الهوتو أو من التوتسي أو من الأطفال يدرك جيدا أنهم يجمعون على القول أنهم ينتمون إلى هذه الإثنية أو تلك. لكن ما فاجأني أكثر من أي شيء آخر أثناء أحاديثي معهم هو وعي مدى التخريب الذي لحق بالأطفال. وربما أن ذلك كان أكثر بسبب ثقل الصمت أو حزن الأهل أو الأكاذيب أو الشائعات أكثر مما هو بسبب المذابح نفسها».

الكتاب عن مجازر رواندا عام 1994 من خلال وزن الإرث الثقيل الذي تركته بالنسبة للذين كانوا أطفالا صغارا عند وقوعها وغدوا اليوم، بعد عشرين عاما، شبابا يبحثون عن موقعهم في الحياة. وما يبوحون فيه للمؤلف هو المادّة الرئيسية لهذا العمل. وكتاب أيضا عن ما يرثه الأطفال من المجازر التي يقترفها آباؤهم.