ينبغي القيام بإصلاحات في العمق...وعلى المدى الطويل من الشعارات التي ترفعها فرنسا منذ الثورة الفرنسية الكبرى، كتعبير عن عناوين توجهها هناك شعار «المساواة»، إلى جانب شعاري «الحرّية والإخاء». ولا شكّ أن هناك توافقا كبيرا لدى جميع المكوّنات السياسية في المجتمع الفرنسي، يمينها ويسارها وكل مشاربها وتوجهاتها وإيديولوجياتها، على التأكيد بتمسّكها بـ «العدالة الاجتماعية».
لكن «هل نريد حقا المساواة؟». هذا هو السؤال الذي يطرحه «باتريك سافيدان»، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة بواتييه وفي كليّة العلوم السياسية في العاصمة الفرنسية باريس، على الفرنسيين. بل ويجعل هذا السؤال عنوان كتابه الأخير. تجدر الإشارة إلى أن «باتريك سافيدان»،مؤلف هذا الكتاب، هو أحد مؤسسي «مرصد أشكال التباين الاجتماعي» في فرنسا عام 2003، أهم المراكز المتخصصة في الموضوع.
ويشير المؤلف منذ البداية إلى أن العديد من الدراسات واستطلاعات الرأي الميدانية التي أجريت مؤخّرا أظهرت أن الفرنسيين يتمنّون، بأغلبيتهم الساحقة، قدرا أكبر من العدالة والمساواة. وتصل بعض النسب التي يذكرها أن ثمانية فرنسيين من أصل كل عشرة يعلنون عن تطلّعهم لمجتمع يتسم بقدر أكبر من المساواة..والعدالة الاجتماعية.
ويشير المؤلف أيضا في الإطار نفسه إلى أن تلك الدراسات واستطلاعات الرأي تبيّن أن الفرنسيين يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى واقع أن «هوّة التباين الاجتماعي» تزداد عمقا واتساعا. وملاحظة أن الحديث عن هذه القضيّة يزداد ويتعاظم أيضا بالتوازي مع «القلق الكبير» الذي تثيره.
ما يؤكّده المؤلف ويجعله نقطة انطلاق تحليلاته هو أنه من «الخطير» تجاهل واقع «التباين الاجتماعي الكبير» القائم. وعدم إدراك أنه قد حان الوقت للعمل على فهم التناقض القائم في موقف الفرنسيين وما يتم شجبه باستمرار من قبل أغلبيتهم بالوقت نفسه.
ويعلن المؤلف أن هدفه من هذا الكتاب هو المساهمة في حلّ هذا «اللغز»، «لغز تناقض موقف الفرنسيين». إن المؤلف ينفي عن الفرنسيين توصيفات «الرياء» و«نقص الحس الأخلاقي» و « نقص العقلانية». ويشرح أنه «غاب الإيمان بإمكانية التقدم الجماعي» الذي يصب في فائدة كل المجتمع.
«هذا الغياب للمستقبل» يطلق عليه «باتريك سافيدان» توصيف «أزمة الزمن» الراهن. ويضيف إنه عندما يهتز كل شيء تغدو الأولوية لدى كل فرد هي في «جعل الآخرين يعانون ولا أن يعاني هو نفسه» و«أن يسيطر ولا يكون محطّ السيطرة».
