أدب الرحلات هو أحد أنواع الأدب المعروفة منذ القديم. والكثير من الرحّالة وعشّاق الأسفار ساهموا في إثرائه. وليس أقلّ هؤلاء شهرة ماركو بولو وجول فيرن وابن بطوطة وكُثر غيرهم. كذلك ليس قليلاً عدد الشعراء والكتّاب والمبدعين الذين عرفت الأسفار مكانها في إنتاجهم.
وفي هذه السنة نال «باولو روميز» (الكاتب ــ الرحّالة الإيطالي الأكثر شهرة اليوم) «جائزة نيكولا بوفييه» لعام 2015 في مهرجان «سان مالو» الشهير في فرنسا، الذي حمل عنوان «مسافرون مدهشون». ذلك عن عمله الذي يحمل عنوان «المنارة، رحلة في نفس المكان».
يشير المؤلف في مقدّمة عمله أنه تعوّد منذ عام 2001 أن يقوم سنوياً برحلة كبيرة إلى منطقة من العالم بحيث ينشر يومياته في حلقات بصحيفة «ريبوبليكا»، أي «الجمهورية»، الصادرة في روما. والإشارة أيضاً أن ما كتبه في ذلك الإطار لقي إقبالاً كبيراً من قبل جمهور القرّاء الإيطاليين. كما جرت العادة أن يتم في غضون السنة التالية لكل رحلة نشر الحلقات في «كتاب».
وبعد أن كان «باولو روميز» قد قطع في رحلاته السابقة آلاف الكيلومترات من جنوب أوروبا إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها، وسار على خطى «هانيبعل» وسلك نفس الدرب الذي كان قد سلكه الجنود المشاة أثناء الحرب العالمية الأولى 1914 ــ 1918، وقطع البحار والأنهار والجبال والفيافي بحثاً عمّا ينقله إلى القرّاء، قرر في المرّة الأخيرة أن يدعو هؤلاء القرّاء إلى عيش مغامرة العزلة في منارة وسط البحر بعيداً عن كل شيء وعن كل البشر، وحيث لا تمرّ عملياً أيّ أحداث تُذكر في الحياة اليومية.
ويرى المؤلف أن مغامرة السفر والقيام بما يفعله الرحّالة يتطلّب طريقة أخرى للنظر إلى العلاقة مع العالم بعيداً عن المألوف وعن «تعيينات» المكان المحدود.
ما يؤكّده «باولو روميز» هو أن تلك «الرحلة في نفس المكان» على صخرة في عرض البحر حيث كل ما يحيط بالإنسان، البحر والسماء والطيور والسفن العابرة والزمن البطيء، يدعوه إلى التأمّل.
ومن الملاحظات الأولى والنتائج الأساسية في الوقت نفسه التي اكتشفها المؤلف من تجربة المنارة أنه هناك «معنى ما هو محدود. والبشر صغار. ووهم السيطرة على الطبيعة محض جنون».
