الهند، بصيغة المفرد، هي بلاد شاسعة مترامية الأطراف، وهي العملاق الآسيوي الآخر إلى جانب الصين، وتأتي بعد الصين من حيث عدد السكان؛ وتوصف أنها أكبر ديمقراطية في العالم. لكن الهند بصيغة الجمع «بلدان الهند الشرقية» هي التسمية التي يتم إطلاقها على المساحة الجغرافية الممتدة من باكستان إلى الفليبين. و«العبور السريع» أحيانا إلى الصين واليابان.

ويتم تقسيم المنطقة المعنية اليوم إلى مجموعين جغرافيين كبيرين في القارّة الآسيوية هما «جنوب آسيا» وما يضم عموما كلا من «الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال وسيلان وجزر المالديف»، و«جنوب شرق آسيا» ، وما يتناظر مع منطقة «شبه الجزيرة الهندية ــ الصينية وأندونيسيا والفليبين وبروني وتيمور وماليزيا وسنغافورة.. الخ».

هذان المجموعان اللذان ينضويان تحت خانة «الهند، بصيغة الجمع» يتم وضعهما في علاقة «تواصل» مع القارّة الأوروبية في كتاب واحد يقدّمه «جان لويس مارغولان»، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة مرسيليا و«كلود ماركوفيتس»، الأخصائي بالهند المعاصرة وبالهند أثناء الحقبة الاستعمارية.

يحمل الكتاب عنوان «بلدان الهند وأوروبا»، حيث يدرس المؤلفان العلاقات ــ أو المسارات التي تتواصل ــ بين المجموعين اللذين ينضويان تحت تسمية الهند «بصيغة الجمع» وبين أوروبا. ذلك منذ القرن الخامس عشر حتى القرن الحادي والعشرين، كما يشير عنوان الكتاب أيضا.

ومما يتم تأكيده منذ البداية هو أن الهند، وفيما هو أبعد من الدلالة الجغرافية غير المحددة بدقّة و«الغائمة» للمنطقة التي تدل عليها، شكّلت باستمرار بالنسبة للمخيلة الأوروبية، من جهة، مصدر «جذب وسحر كبيرين»، ومن جهة أخرى، يرى فيها الأوروبيون «أرض المخاطر والمجاهل».

ما يؤكّده مؤلفا هذا الكتاب أن العلاقات الفعلية بين القارة الأوروبية «القديمة» بلدان جنوب آسيا عموما تعود إلى نهايات القرن الخامس عشر.

ويشرحان أن هذه العلاقات كانت متنوّعة المجالات، لكنها كانت تجارية بالدرجة الأولى، حيث كانت «عملة التبادل الرئيسية الأولى» هي «الأقمشة الهندية» بالتحديد.

أولئك الأوروبيون الذين كانوا بمثابة الروّاد الأوائل للشروع بنسج علاقات بين قارّتهم وجنوب آسيا «أوّلا» لم يكونوا يرون في تلك المنطقة سوى مجالا جغرافيا واحدا. هكذا أطلقوا على مختلف البلدان التي تواجدوا فيها أو أقاموا علاقات تجارية معها تسمية «الهند، بصيغة الجمع»..

هذا للدلالة على مجموعة البلدان التي تتألّف منها. وفي المحصّلة يقوم المؤلفان بنوع من التأريخ لخمسة قرون من العلاقات المتداخلة ومن المسارات التاريخية المتشعّبة بين أوروبا وبلدان شرق وجنوب شرق آسيا.

ويتم تقديم هذا التاريخ بالاعتماد على المعطيات «الجيوسياسية»، خاصّة من زاوية «اشكال التنافس بين الدول الأوروبية، لا سيّما بنسختها الاستعمارية، وبين الدول الآسيوية المعنيّة»؛ وعلى المعطيات المجتمعية ــ السوسيولوجية ــ من خلال التفاعل بين الآسيويين والأوروبيين والتركيز خاصّة على «مقاومة الآسيويين من موقع أنهم كانوا ضحايا أثناء الحقبة الاستعمارية». وأخيرا بالاعتماد على المعطيات الاقتصادية من زاويتي استغلال المستعمرات وحرية انتقال اليد العاملة.

وقراءة تاريخية جديدة بحثا عن «تاريخ متوازن» عبر تجنّب «الإفراط» في المركزية الأوروبية وبالوقت نفسه تجنّب الإفراط في إبراز «النزعة ما بعد الاستعمارية».