شكّلت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 ثمّ امتدت آثارها إلى بقيّة مناطق العالم موضوع سلسلة طويلة من الكتب التي درستها من مختلف وجوهها.
وأستاذ الفلسفة في جامعة كليرمون فيرّان الفرنسية «كريستيان غودان» وصاحب ما يفوق الأربعين كتاباً يكرّس كتابه الأخير الذي يحمل عنواناً رئيساً هو «هبوط المعنويات»، وعنوانه الفرعي يجمع بين «الأزمة والأخلاق»، وهو يدرس فيه ما أصبح يشار إليه في حالات كثيرة بتعبير «الأزمة»، ذلك من زاويتين محددتين: «نفسية ــ بسيكولوجية» و«أخلاقية».
يذكر المؤلف في البداية أن البشريّة عرفت في مسيرتها الطويلة صعوداً «حضارياً» هائلاً، وصفه عالم الاجتماع الكبير «نوربرت الياس» بـ«معجزة» التحوّل من قتل الآخر بأسماء وعناوين مختلفة إلى رجال يبحثون عن العيش بسلام مع الآخر، المختلف. وبعد الإشارة إلى ذلك السلوك الحضاري يطرح سؤالاً مفاده: «هل هناك ديناميّة تنتظر العالم اليوم، وفي المقدّمة العالم الغربي، فيما يبدو السير بالاتجاه المعاكس و«غير الحضاري»؟.
الإجابة عن هذا السؤال هي موضوع كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «هبوط المعنويات. الأخلاق والأزمة». ويشرح «كريستيان غودان» على مدى صفحاته الأسباب التي تدعو إلى «القلق» من مثل هذا التوجّه.
ويشرح المؤلف أن هناك العديد من المؤشرات إلى انكفاء الفعل الإنساني القائم على المنظومات الأخلاقية التقليدية التي أسست إلى هذه الدرجة أو تلك لأشكال السلوك الحضاري، وفي مقدّمة تلك المؤشرات ـ الأعراض «التكاثر الكبير للمنظومات الأخلاقية البديلة».
وسبب آخر يسوقه المؤلف ويربطه بتنامي النزعة الفردية في البلدان الغربية. وبعد الإشارة إلى أن النزعة الفردية ارتبطت بأفكار عصر التنوير وتأكيد حقوق الفرد باعتباره قيمة إنسانية بحدّ ذاته، ثم ارتبطت بمفاهيم حقوق الإنسان ــ الفرد كما تمّت صياغتها بميثاق حقوق الإنسان الذي أكّدته الثورة الفرنسية الكبرى في مبادئها الأساسية.
لكن المؤلف يؤكّد أن الواقع اليوم يقول شيئاً آخر، وأن تلك النزعة الفردية أخذت أبعاداً جعلتها بمنزلة مرض حقيقي، وأدّت أيضاً إلى أوضاع اجتماعية تتسم بقدر كبير من القسوة من حيث التعامل بين البشر، هذا في إطار العولمة اللبرالية السائدة التي تتمحوّر بشكل أساسي حول اقتصاد السوق والمنافسة بعيداً عن مجمل القيم الأخلاقية التي «زادت الأزمة المالية والعالمية» الراهنة من «تهميشها».
ويشير المؤلف بأشكال مختلفة إلى أن الإنسانية عرفت خلال فترة قليلة من الزمن بالقياس إلى المسار البشري الطويل الممتد على عشرات آلاف السنوات تقدّماً لم تحققه خلال مسيرتها السابقة كلّها، لكنه يؤكّد في المقابل وبأشكال مختلفة أيضاً أن الإنسانية تعرف منذ عقود قليلة «قفزة إلى الوراء»، سيكون لها نتائجها الكبرى والحاسمة في أفق المستقبل غير البعيد. هذا خاصة في ظل واقع التسارع الذي تزامن مع الثورة الرقمية وثمراتها التكنولوجية.
ويعتبر المؤلف أن الاهتمام المستمر بالقراءة يشكّل أحد المعايير الخاصّة بمسيرة التقدّم الحضاري. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن عملية استطلاع للرأي قام بها أخيراً «المركز الوطني الفرنسي للكتاب»، أظهرت أن 85 في المئة من الفرنسيين «يواظبون على القراءة بانتظام». لكن هذا لا يمنع واقع أن الاستطلاع نفسه يشير إلى أن نسبة القارئين بين الشباب «تنحسر».

