السعادة والبحث عن السعادة من الموضوعات التي تتكرر كثيراً على ألسنة البشر اليوم. هكذا كانت حاضرة بقوّة منذ العصور القديمة وفي جميع الثقافات الإنسانية المعروفة. وكانت السعادة قد شكّلت أحد المسائل المركزية في الثقافات الهندية واليونانية القديمة. لكن ذلك البحث المحموم والمستمر عن السعادة يعني باستمرار أنه من الصعب كثيراً أيضاً بلوغها.
ومما يثير الانتباه ذلك العدد الكبير من الكتب التي تنضوي ضمن إطار: دليلك إلى بلوغ السعادة، لكن على خلاف تلك الموجة من الكتب التي تقدّم وصفات من أجل بلوغ السعادة، يقدّم «أليوس كوتسو»، الباحث البلجيكي في مجال علم النفس، ومؤلف العديد من الكتب حول المشاعر والانفعالات الإنسانية، كتاباً تحت عنوان «في مديح نفاذ البصيرة»، يناقش فيه مسألة «التفتح الشخصي» بعيداً عن مختلف الوصفات الجاهزة التي يحفل فيها «سوق البحث عن السعادة».
الملاحظة الأولى التي يؤكّدها المؤلف مفادها أن السعادة تبدو في الحقبة الراهنة بمنزلة «الغاية القصوى» التي يراد الحصول عليها، لكن بمقدار ما يتم البحث عن السعادة المنشودة يبدو أنها «تبتعد وتنأى».
ويعيد المؤلف السبب الرئيس لمثل هذا الابتعاد إلى أن البشر اليوم يبحثون عن «سعادة مثالية»، أو بدقّة أكثر «ألبسوها توصيفاً مثالياً»، بحيث يغدو من المستحيل بلوغها.
ويحذّر المؤلف على مدى صفحات هذا العمل وبأشكال مختلفة من «ارتكاب الخطأ الكبير» الكامن في الاعتقاد أن «السعادة واجب واستحقاق» أو أنه «يمكن شراؤها»، ذلك على أساس أن مثل ذلك الانحراف يؤدّي بالضرورة إلى الابتعاد عن الفكرة الأساسية التي يدافع عنها المؤلف باستمرار، ومفادها أن «السعادة هي نتاج محاكمة متبصّرة وجهد ينبغي بذله للحصول عليها».
الشرط الأساسي الذي لا بدّ منه لإمكانية تحقيق السعادة يحدده المؤلف في «المصالحة مع الذات». ويرى أن قبول الإنسان للمشاعر التي تختلج في داخله بدون تكلّف لا يعني أبداً الخضوع لما هو مفروض، بل عكس ذلك تماماً، ذلك أن عبر «اختيار التوجّه الذي يتلاءم مع القيم العميقة التي يؤمن فيها الإنسان يجد سلامه الداخلي» ومن ثم «سعادته».
