وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في خريف عام 1945 بانتصار الحلفاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق، على المحور بزعامة ألمانيا النازية. لقد انتهت تلك الحرب إذن منذ أكثرمن 60 سنة لكن ذكراها وما عرفته من مآسٍ وأحداث لم تبارح أذهان الكثير من البشر بما فيهم أولئك الذين أصبحوا أصدقاء اليوم، مثل الفرنسيين والألمان الذين يشكّلون معاً محرّك مسيرة التوحيد الأوروبي.

والدليل على أن ذاكرة تلك الحرب لم تبارح أذهان ومخيلة الكُثر سلسلة المقالات والدراسات والكتب التي تعود إلى سنوات الحرب العالمية الثانية 1939 ــ 1945. وتتمثل إحدى «حلقات» تلك السلسلة في الكتاب الصادر قبل أسابيع تحت عنوان «وأصبحت باريس ألمانية» لمؤلّفه «الان كوبري».

كانت القوات الألمانية النازية قد اجتاحت قسماً مهماً من شمال فرنسا وشرقها و«ضيّقت الخناق» على العاصمة الفرنسية باريس، التي دخلتها يوم الرابع عشر من ذلك الشهر. ويركز المؤلف في توصيفه لتلك الفترة على الطريقة التي عاش فيها الباريسيون تلك الأيام العصيبة والكيفية التي مارس فيها الجنود الألمان شتى أنواع الإذلال اليومي حيالهم.

ويطرح «الان كوبري» بداية عددا من الأسئلة حول حقيقة ما جرى آنذاك. أسئلة من نوع: في إطار كل ما كان يحيط بهم من شائعات ومن تضليل إعلامي، ماذا كان يعرف الباريسيون؟

وماذا فعلوا آنذاك حول حقيقة ما يجري في محيط مدينتهم وعاصمة بلادهم، باريس؟ وما هي أشكال التنظيم التي لجؤوا إليها من أجل مواجهة الغزو النازي؟ ومن كان يتخذ القرارات في ظل عدم وجود حكومة وطنية حيث انكفأت الحكومة الفرنسية آنذاك إلى بوردو على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة، هذا فضلاً عن أنها كانت حكومة عاجزة عن الفعل.

من المسائل التي يؤكّدها المؤلف أن باريس عاشت خلال أيام حصارها تحت التهديد المستمر باحتمال أن تتعرّض للتدمير كما كان النازيون قد فعلوا بالعاصمة البولندية وارسو قبل دخولهم لها. وكان الخطر كبيرا بالنسبة للأعداد الكبيرة من سكان شرق فرنسا وشمالها الذين كانوا قد غادروا بلداتهم وبيوتهم إلى العاصمة باريس حيث كان القسم الكبير منهم ينامون في العراء.

وبعد أيام قليلة من التهديد أصبحت العاصمة باريس بالنسبة لجميع الذين كانوا يقطنون فيها من لاجئين وباريسيين منذ أجيال بمثابة «مكان ينبغي الهروب منه بأقصى سرعة ممكنة». وفي المحصّلة غادرها عدّة ملايين خلال الأيام الثلاثة الأخيرة قبل دخول الجنود الألمان لها والسيطرة عليها بشكل كامل بوقت قصير جداً لا يتعدّى الساعات الثلاث. ومما نقرأه في هذا السياق: «كانت المدينة شبه فارغة ودون أضواء كما انطفأت في نظرات أبنائها شعلة الحياة».

ما يؤكّده المؤلف هو أن الباريسيين «مكثوا خلال الساعات الأولى التي تلت احتلال الألمان إلى باريس داخل بيوتهم». ذلك أنهم «لم يكونوا بحاجة إلى الخروج لمعرفة ما يجري. لقد كانوا يسمعون والغضب يملأ قلوبهم ويعيشون حقيقة حالة أشبه بالحداد».

في مثل ذلك السياق يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن تلك الأيام التي عاشتها باريس تعيد إلى الذاكرة اجتياح القوات البروسية، الألمانية والروسية، للعاصمىة الفرنسية في مطلع شهر مارس من عام 1814.