تتباين مواقف البشر أمام الموت الذي يقترب. ذلك من أولئك الذين يواجهون حقيقته المؤلمة بكثير من الصفاء «السقراطي» وحتى أولئك الذين عبّروا عن إرادة الهروب منه على شاكلة المخرج السينمائي الشهير «وودي آلن» الذي قال إنه «يريد أن يكون غائباً عندما يصل موعد الرحيل النهائي».
ولعلّ من أقسى التجارب تلك التي يعرفها أولئك الذين يشخّص الأطباء نهايتهم القريبة كتلك التي يعيشها الشاعر الأسترالي الشهير «كليف جيمس» عندّما شخّص الأطباء إصابته بمرض «إبيضاض الدم ــ لوكيميا» العضال. وكتب خلال «فترة الانتظار» مجموعة من الأشعار التي تمّ جمعها تحت عنوان « محكوم بالمؤبد» التي لقيت اهتماماً كبيراً من قبل النقّاد في بريطانيا، حيث يعيش منذ عام 1962. وما شكّل مناسبة للعودة إلى سيرة حياته.
«كليف جيمس» من مواليد إحدى ضواحي العاصمة الأسترالية «سيدني». كان والده قد عرف الأسر من قبل اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية. وكانت المأساة بالنسبة لآسرته هو أنه استطاع مقاومة تجربة الأسر لكنه قضى وهو بطريق العودة إلى بلاده أستراليا عندما تحطّمت الطائرة التي كانت تقلّه في خليج مانيللا وتمّ دفنه في هونغ كونغ. هكذا تربّى الابن ــ الطفل الوحيد وحيداً في كنف أمّه التي كانت عاملة في أحد المصانع.
سافر «كليف جيمس» إلى العاصمة البريطانية لندن عام 1962 حيث قرر أن يعيش نهائياً. وهناك التقى بمجموعة من رجال الفن والأدب الأستراليين المهاجرين مثله إلى بريطانيا وأيضا من البريطانيين. هذا قبل أن يحصل على عمل في مجال تدريس الأدب في جامعة كمبردج.
ومارس إلى جانب ذلك عدداً من الأعمال. كان الهدف من ذلك هو توفير مبلغ من المال للقيام برحلة إلى إيطاليا «كان يخطط لها منذ زمن طويل».
أدرك الشاعر «كليف جيمس» أن نهايته تقترب. فتشخيص الأطباء كان واضحاً لا لبس فيه ومرض «إبيضاض الدمّ ــ اللوخيميا »المصاب به «لا شفاء منه». من هنا حمل كتابه الذي يعلم جيّداً، حسب قوله، أنه الأخير عنوان «محكوم بالمؤبّد». ما يتم تأكيده في هذا السياق أن المرض «غيّر الكثير» من طريقة تفكيره ، لكنه بالمقابل «لم يخمد شعلة الحياة بداخله».
