لا يختلف اثنان أن الولايات المتحدة الأميركية كانت على مدى عقود عديدة سابقة هي القوّة الأكبر في العالم. ذلك خاصّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها منتصرة دون أن ينالها أي دمار على عكس المنتصرين الآخرين من الحلفاء، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي السابق.

ولا يزال هناك اليوم عدد كبير من المحللين والمراقبين الأميركيين وغيرهم يرون بها قوّة عظمى، بل إنها ستكون لفترة طويلة ايضا هي القوّة الأولى في العالم. مراقبون ومحللون آخرون لهم رأي مختلف حيث يميل بعضهم إلى القول إن الصين «الصاعدة» هي بصدد أن تحتل المرتبة الأولى في العالم.

فـ«هل القرن أميركي أيضا؟» في عالم اليوم. هذا التساؤل هو عنوان كتاب المحلل الأميركي الشهير في مجال السياسة الدولية «جوزيف س. ناي» الذي يشرح فيه أن القرن الأميركي ليس في طريقه إلى الأفول، كما يتردد في الكثير من التحليلات التي يؤكّد القائلون بها أن أميركا لا تملك إمكانيات المحافظة على نفوذها في العالم.

على عكس مثل تلك الآراء «المتشائمة» يرى «جوزيف ناي» أنه لا يزال أمام الولايات المتحدة عقود عديدة يمكنها خلالها أن تحتفظ بمكانتها الريادية في العالم. هذا رغم أن الصين تمتلك نموا اقتصاديا «متسارعا» بالقياس إلى الولايات المتحدة الأميركية. ورغم أنها، اي الصين، تعمل على تعزيز قوتها العسكرية بأسلحة متطوّرة نوعيا في مختلف الميادين، بما في ذلك الغوّاصات.

أمّا الأوراق الرابحة الأساسية التي تمتلكها الولايات المتحدة من أجل المحافظة على مكانتها كقوّة عظمى على الصعيد العالمي فيحددها في امتلاكها لـ«جيش قوي» يمكنه أن يدافع عن مصالحها في شتى أصقاع الأرض. كذلك تمتلك جميع مؤهلات وصفات «القوة العظمى الاقتصادية» التي تجعل منها «مركز الثقل» الأساسي.

وبالاعتماد على هذه الأوراق كلّها يرى «ناي» أنه يمكن للولايات المتحدة أن «تسبق منافسيها» جميعهم خلال العقود القادمة. وبالتالي التأكيد أن «القرن الأميركي لم ينته». وشرح أنها تستطيع أن تتابع «زعامتها للعالم» من خلال «الدبلوماسية» و«التعاون» مع بلدان أخرى.

والإشارة أن مثل هذه الدبلوماسية لا تعني «التوسّع» أو «الانكفاء» بل بالأحرى تبنّي استراتيجية «ذكيّة» من خلال مجموعة من الخيارات السياسية الداخلية والخارجية «المرنة» لـ«القوّة الهادئة» وليس من خلال استخدام قوّة تاريخية «ساحقة» لم تعد مسيطرة في العالم. ذلك أن «التاريخ له دائما دينامياته المتجددة»، كما يشير مؤلف الكتاب.

الكتاب تتميّز تحليلاته بقدر كبير من الوضوح حول موقع أميركا في عالم اليوم. ولكن أيضا، وربما خاصّة، حول المفاهيم المعقّدة لـ«القوّة». وهو يشرح بهذا الصدد مختلف العوامل التي تتعلّق منها بالدولة وبغير الدولة ليصل إلى نتيجة مفادها أن أميركا تملك العوامل الأساسية العسكرية والاقتصادية والقوّة الهادئة للمحافظة على موقع متميّز خلال العقود القادمة.

ذلك أن المستقبل، كما تشير التحليلات المقدّمة، لا يبعث إلى قدر كبير من التشاؤم، كما يخلص المؤلف إلى القول.. ولعل هذا الدرس الأميركي مفيد جدا بالنسبة لمناطق أخرى ليس أقلّها أهمية اوروبا في مسارها التطوري الحالي.

المؤلف في سطور

 

جوزيف س. ناي هو استاذ في جامعة هارفارد. درس في جامعات برنستون وأكسفورد ونال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد. خدم في وزارة الدفاع بمجال الأمن الدولي وتولّى مناصب عليا في هذا المحال. اختاره المشاركون في عملية استطلاع رأي عام في 2011 أنه المفكّر الأكثر تأثيرا على السياسة الأميركية في مجال السياسة الخارجية.