لا يخفى على أحد أن الأجهزة السرّية التي تعمل على الصعيدين الداخلي والخارجي، تشكّل أحد الأدوات المتميّزة التي تستخدمها مختلف دول العالم وتعتبرها حصراً من صلاحياتها.
لكن هذا لا يمنع واقع أن تغيّراً كبيراً قد طرأ على نشاطات هذه الأجهزة وعلى مجالاتها. هذا ما يشرحه سيباستيان إيف لوران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوردو الفرنسية والمستشار في مجال النشاطات الأمنية، في كتابه الذي يحمل عنوان «أطلس عالم الاستخبارات».
وهو يشرح على مدى صفحات هذا العمل كيف أن عوامل عدة استجدت في عصر العولمة الراهن والثورة الرقمية وغيّرت إلى هذه الدرجة الشروط التي تعمل مختلف أجهزة الاستخبارات في إطارها.
وفي مقدّمة العوامل التي يرى أنها وراء التبدّل الطارئ يذكر «التطوّر الكبير الذي عرفته أشكال التعاون الدولي الاستخباراتي»، و«التبدّلات الجيوساسية المرتبطة بفترة ما بعد نهاية الحرب الباردة والانقسام الثنائي الدولي بين معسكرين»، و«بروز مطلب الشفافية في عمل الأجهزة المعنيّة في مجتمعات ما بعد الديمقراطية»، و«الانتشار الاستثنائي سرعة وكمّا في الشبكات الرقمية وخاصّة سهولة الربط مع شبكة الإنترنت».
وفي هذا الكتاب ــ الأطلس يناقش المؤلف بالتوازي مع شرح المستجدات التي طرأت على عمل أجهزة الاستخبارات مختلف ما يسميّه «الإشكاليات الأكثر معاصرة» في عالم هذه الأجهزة. وهو يناقش تلك الإشكاليات من مختلف الأبعاد «التاريخية» و«السياسية» و«القانونية» و«الأخلاقية».
وذلك على خلفية فكرة مفادها أن فهم الرهانات الحقيقية للنشاطات الاستخباراتية وتبيين أهميتها في السياسات العامّة للدول يتطلّب بالضرورة التعرّف إلى نشاطاتها «التقليدية». وهذا ما يشرحه المؤلف بالتفصيل في القسم الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «دورة الاستخبارات». ويركّز فيه على توصيف سبل البحث عن المعلومات، ثم انتقاء المطلوب منها. وبناء على ذلك تحديد «طبيعة الإجراءات المحتملة» التي قد ينبغي اتخاذها من أجل حماية أمن الدول.
في جميع الحالات يشرح المؤلف أن «التدخّل غير المعلن» هو «منطق معالجة المعلومات» التي يتم جمعها. وعلى أساس ذلك يتم اللجوء إلى «عمليات خاصّة» ذات أهداف محددة. في مثل هذا السياق يقدّم المؤلف نوعاً من الجرد لـ«الأعمال الخاصّة التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العالم خلال سنوات 1945 ــ 1990». نقرأ في هذا الصدد «إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تتجه نظرياً نحو جمع المعلومات الاستخباراتية ومكافحة التجسس، ولكنها تتفرّد عملياً باللجوء إلى العمل الفعلي السرّي».
ويصل المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب إلى القول إن هناك تساؤلات كبيرة وكثيرة عن دور الأجهزة السريّة بصيغتها الحالية. وبالتحديد من خلال علاقتها مع الدولة. ويرى بإمكانية «نهاية احتكار المسائل الأمنية من قبل الدول بالمقدار الذي تفقد هذه الأخيرة من دورها» ومن سيطرتها على مختلف المؤسسات. هذا بالتوازي مع تصاعد ضغط الرأي العام للدفع نحو «شفافيّة» العمل الاستخباراتي ذاته.
الملامح الأولى لمثل هذا التطوّر يجدها المؤلف في واقع أن العديد من الأجهزة الأمنية أصبحت في «قبضة» الشركات الخاصّة الكبرى في العالم الأنكلوسكسوني. في مثل هذا الاستقراء لمستقبل النشاطات الاستخباراتية يقدّم الكتاب قراءة تتجاوز البعد التاريخي للبحث في الطبيعة المستقبلية لهذه النشاطات «السريّة».
المؤلف في سطور
سيباستيان إيف لوران أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوردو الفرنسية. وهو يدير في تلك الجامعة برامج طلبة «الماجستير» حول «الأمن العالمي». كما يقوم بتدريس مادّة العلوم السياسية في عدةّ مؤسسات تعليمية. يعمل في حقل الاستشارات بمجال المسائل الأمنية.

