كانت نهاية العمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية بهزيمة ساحقة لليابان وإعلان استسلامها من قبل الإمبراطور نفسه.. والالتزام بتنفيذ جميع الشروط التي فرضها الحلفاء وكما صاغها الأميركيون، وفي الوقت نفسه، بمثابة بداية مرحلة من «الشروح الكبيرة» في الذاكرة اليابانية وأبعد منها في «الهويّة الوطنية» نفسها.
وهذا بالتحديد ما تعالجه أكيكو هاشيموتو، الباحثة والأستاذة الجامعية المختصّة بمسائل «الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية»، في كتابها الصادر أخيراً، عن جامعة أكسفورد تحت عنوان: «الهزيمة العميقة». وتتناول فيه بالدراسة والتحليل «الصدمة الثقافية والذاكرة والهوية في اليابان»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
في البداية تطرح أكيكو هاشيموتو مجموعة من الأسئلة التي تحدد من خلالها، وعبر الإجابة عليها، الإطار العام الذي ستناقش فيه الحالة الخاصّة المتعلّقة باليابان.
ذلك بالتحديد على خلفية التأكيد أن «سياسة ذاكرة الحرب هي في السياق الجاري ذات طبيعة تنازعية أكثر من أيّ فترة سابقة». وأسئلة من نوع: كيف يمكن لذكريات الصدمة الوطنية أن تبقى ماثلة باستمرار في الثقافة وفي الذاكرة الجماعية للمجتمعات المعنيّة بها لفترة زمنية طويلة بعد مرور الأحداث التي كانت قد أثارتها؟
في الصفحات الأولى من الكتاب تقوم المؤلفة بنوع من «تقديم» المواضيع الأساسية التي سيتم التعرّض لها في الصفحات التالية. هكذا يتم سبر أشكال «حضور الصدمة الثقافية التي تركتها الهزيمة اليابانية في الحرب العالمية الثانية وواقع أن تأثيرها واضح و«كامل الحضور» في الحكايات التي تقال وتتردد للأجيال القادمة.
وتشرح المؤلفة وجود علاقة وثيقة بين مكامن الصدمة العميقة التي يمكن أن تثيرها هزيمة مثل تلك التي عرفتها اليابان في الحرب العالمية الثانية وبين «الهوية الوطنية الجماعية».
ذلك أن مشاعر «الانتماء الوطني» تتعاظم لدى أي مجموعة بشرية عندما تتعرّض لحدث رهيب «لا بدّ وأن يترك آثاره على وعيها الجامع». يتم التأكيد في هذا السياق على «تداخل» المسؤوليات الاجتماعية مع الفعل الجماعي في التعريفات «العلمية» لمفهوم «الصدمة الثقافية».
وفي أحد فصول الكتاب تناقش المؤلفة مسألة الهوية الوطنية اليابانية، حيث تؤكّد أنه رغم كل ما قيل ويقال عن النزعات القومية وتبدياتها السياسية البعيدة في أحيان كثيرة عن العقلانية فإن اليابانيين يتصرّفون دائماً على أساس أن هناك «واجبات خاصّة» حيال مواطنتهم اليابانية التي تجد عمقها في مفهوم «الأمّة» التي ينتمون لها.
هذا مع الإشارة أن النزعة القومية اليابانية ليست «متزمتّة» ولا تستثني إمكانية وجود مصادر أخرى للهوية الشخصية. كما أن «ذاكرة تلك الحرب» لاتزال حيّة في مختلف جوانب الحياة العامّة. وولّدت شروخاً في الهوية الوطنية اليابانية خصوصاً، ومما ستكون له بالضرورة نتائجه على السياسة الإقليمية والعالمية خلال العقود التالية.
وتنقيب في الذاكرة الشعبية اليابانية المسكونة بثقافة الهزيمة التي شهدتها البلاد في الحرب العالمية الثانية وبإرثها. والتأكيد أنه سيكون لها وزنها في صياغة مختلف الخيارات التي ستتخذها اليابان في مختلف المجالات لأجيال قادمة. ذلك من أجل مواجهة الضغوط الدولية وفي الأفق البعيد نسبياً من أجل «تجاوز اليابان لتاريخها القاتم».
المؤلف في سطور
تحمل أكيكو هاشيموتو شهادة التأهيل العليا «أغريغاسيون» في علم الاجتماع من جامعة بيتسبورغ. سبق لها وقدّمت العديد من الكتب منها: «عائلات متخيّلة وعائلات حقيقية: الثقافة والقرابة في اليابان الحديثة»، و«هديّة الأجيال: منظورات يابانية وأميركية حول الشيخوخة والعقد الاجتماعي»...الخ.

