سادت لفترة من الزمن بعد سقوط جدار برلين وتفكك القوّة العظمى السوفييتية ــ الاتحاد السوفييتي ــ السابقة فكرة مفادها أن المنظومة اللبرالية قد حققت انتصاراً حاسماً ونهائياً على المنظومة الاشتراكية التي كانت قد دخلت معها في «حرب باردة» استمرّت عدّة عقود.

لكن لا يخفى على أحد أن العقود القليلة الأخيرة قد شهدت تعاظم قوّة بعض القوى الآسيوية الصاعدة، وعلى رأسها الصين، التي ازداد نفوذها على المستويين الاقتصادي والإستراتيجي في ما يتعلّق بالقضايا العالمية. الأمر الذي يهدد بوضوح موقع الولايات المتّحدة الأميركية كقوّة عظمى « تتفوّق على القوى الأخرى». هذا خاصّة أن هناك واقع «انكفاء» الدور الأميركي مقابل تعاظم دور «القوى الصاعدة».

مثل هذا التوصيف يقدّمه «ايان بريمير»، مؤسس ورئيس مجموعة « اوراسيا» التي تحتل مكان الصدارة في مجال البحث حول المخاطر السياسية العالمية كما في مجال الاستشارات. ذلك كمدخل إلى تحليلات كتابه الأخير الذي يناقش فيه «تطوّر الدور الأميركي في العالم وآفاقه» في السنوات المقبلة. يحمل الكتاب عنوان « قوّة عظمى : ثلاثة خيارات لدور أميركا في العالم».

أحد المحاور الأساسية في الكتاب يتمثّل في تحليل الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة الأميركية تعيش سلسلة من الأزمات منذ نهاية الحرب الباردة و«دون أن تمتلك إستراتيجية واضحة» لمواجهتها. ويؤكّد المؤلف القول بأشكال مختلفة في الكتاب أن أميركا هي بـ «حاجة إلى استراتيجية لا تدوم ثلاثة شهور أو سنة، بل بالأحرى هي بحاجة إلى استراتيجية لجيل».

ومن المسائل ــ المشاكل التي يرى المؤلف أن الولايات المتحدة تعاني منها على صعيد السياسة الخارجية هي أن «الأميركيين العاديين» لا يقيمون مواقفهم حيال السياسة الخارجية لبلادهم على أساس المعطيات التي يفرضها الواقع وبالنظر إلى المصالح الأميركية العليا.

أمام مثل هذا الوضع يحدد المؤلف ثلاثة خيارات أساسية «ممكنة».. وتتمثل هذه الخيارات في أن تكون «أميركا مستقلّة» و«أميركا حريصة على رعاية مصالحها في العالم» و«أميركا ضرورية للآخرين».