عرف القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين تشكّل إمبراطوريات استعمارية شاسعة كان ضحاياها هم من سكان ما أُطلقت عليه تسمية «العالم الثالث» عموما والقارّة الإفريقية بشكل خاص. وكان الأفارقة السود هم أيضا في طليعة الذين شكّلوا «السلعة الإنسانية الرئيسية» في مجال تجارة العبيد انطلاقا من القارّة السوداء نحو «العالم الجديد»، أميركا.
وفي بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، العشرين، ظهرت ملامح حقبة تاريخية جديدة شكّلت عملية نهاية الاستعمار إحدى سماتها الرئيسية. وتزامنت تلك العملية مع بروز حركات فكرية وسياسية وإنسانية جديدة هي الأخرى.
القاسم المشترك بين تلك الحركات كلّها هو أن القائلين بها ودعاتها ومناضليها اعتبروا أن فكرة «التحرر والحريّة» ليست مقصورة على الخلاص من الاستعمار ونيل «الاستقلال الوطني»، بل رأوا أن الانتهاء من الاستعمار بمثابة «فرصة لإعادة صياغة العالم من جديد والمصالحة بين الشعوب وتحقيق الكرامة لكل إنسان».
دور تلك الحركات والأفكار التي طرحتها وأهدافها ورموزها ومجالات اهتمامها هي المسائل التي تتم مناقشتها في كتاب «زمن الحريّة: سواد البشرة ــ الزنوجة ــ ونزع الاستعمار ومستقبل العالم» لمؤلفه غاري ويلدر، أستاذ علم تطوّر المجتمعات في جامعة مدينة نيويورك.
إن المؤلف يناقش في هذا الكتاب العلاقة بين بزوغ النزعات «الفدرالية» بالتوازي مع تقهقر النزعات القومية في أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وذلك مع هزيمة المشروع النازي وما أثبت أن «استخدام الهيمنة الإثنية والقومية كقاعدة للتنظيم السياسي هو سلاح لا يمكن أن تتجاوز فاعليته بعض الحدود». هذا فضلاً عن «مضمونه ذي الطبيعة العنصرية».
يفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يقارن بين المنظومتين السياسيتين الأميركية والأوروبية. ويطرح السؤال التالي: لماذا حافظت أوروبا على صيغة «الدولة ــ الأمّة» كمنظومة سياسية أساسية بينما الولايات المتحدة اختارت بـ«نجاح» الصيغة الاتحادية ــ الفدرالية؟
ويخلص غاري ويلدر إلى القول أنه لا يمكن سوى قبول واقع أن الصيغة الاتحادية، كمنظومة سياسية، أثبتت أنها مؤهّلة لتحقيق نتائج «أفضل» للمعنيين بها من الدولة ــ الأمّة.
