يعيش العالم عصراً جديداً في ظل منظومة «العولمة» التي تواكبت مع نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين مع نهاية ما سمي بـ «الحرب الباردة». ومع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق انتهت «المواجهة» بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي. تلك المواجهة كان العالم قد عاش على إيقاعها وكانت الخلفية التي تحددت بناءً عليها وعلى رهاناتها النزاعات والمنافسات والتوترات في هذه المنطقة من العالم أو تلك.
لكن مع تغيّر المشهد العالمي بصورة كبيرة برزت، بالتوازي، توترات ونزاعات من «طبيعة أخرى»، كما يشرح «فيليب بولانجيه»، أستاذ الجيوسياسات في الجامعات الفرنسية، في كتابه الذي يحمل عنوان «الجغرافيا العسكرية والجيوستراتيجا» والذي يناقش المسائل المتعلّقة بـ «رهانات العالم المعاصر وأزماته»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.
تجدر الإشارة أن هذا الكتاب عرف النشر بنسخته الأولى قبل ثلاث سنوات ثم أعاد المؤلف النظر فيه بعمق بناءً على المعطيات الجديدة الكثيرة المستجدة، خاصّة على صعيد الاستعانة بآخر الإحصائيات الحديثة العهد، فكان هذا الكتاب «الجديد» الذي يساعد كثيراً على فهم الركائز التي يقوم عليها أي نظام دولي جديد.
بداية يشرح المؤلف أن هناك علاقة وثيقة بين ما هو جغرافي وما هو عسكري. ويكتب بهذا الصدد: «الجغرافيا هي شكل من أشكال دعم خبراء الإستراتيجيات فيما يخص العمليات العسكرية». والإشارة أن مفكري الاستراتيجيا الكبار كانوا يأخذون في اعتبارهم منذ الأزمنة القديمة العوامل الجغرافية في إطار التصوّر الكلّي للعمليات العسكرية، وفي خطط الحروب.
يشير المؤلف في هذا السياق إلى المساهمة الكبيرة التي قدّمها الباحث الجغرافي الفرنسي «ايف لاكوست» بهذا الميدان في كتابه الشهير الذي شرح فيه كيف أن «الجغرافيا تساهم دائماً في صنع الحروب». ولا يتردد فيليب بولانجيه، في كتابة أن «الجغرافيا موجودة في كل شيء وكل شيء موجود في الجغرافيا».
ويكرّس المؤلف عدداً من صفحات الكتاب لشرح أن السياق الدولي يشهد هو الآخر تطورات جيوسياسية «متسارعة». وفي رأس قائمة هذه التطورات «انتقال مركز الثقل الاستراتيجي في العالم نحو آسيا». وهناك أيضاً «الدخول في نوع من المنافسة الاقتصادية المفتوحة بين القوى الكبرى في فترة تسودها الأزمة المالية والاقتصادية». ويخلص المؤلف إلى القول إن مسار التطور الحالي يدفع نحو «إعادة تعريف دور الجغرافيا في مجالات اللجوء إلى استخدام القوّة العسكرية».
وبعد أن يشير المؤلف إلى أن النزاعات والحروب غدت أقل عدداً واتساعاً من حيث الجغرافيا التي تشكّل مسرحاً لها، يشرح أنها لم تعد نزاعات حول الحدود أو على خلفية الانتماء الإيديولوجي ومدّ النفوذ بالقوّة. بل غيّرت بالأحرى من «طبيعتها نفسها»، وبالتالي غيّرت من رهاناتها وأدوات «التعبير عنها». هكذا «تعاظمت ظاهرة الإرهاب الدولي» و«تكاثرت التوترات من أجل السيطرة على مصادر الطاقة» و«عاد الاهتمام من جديد بمسألة الانتشار النووي».
إن مؤلف هذا الكتاب يقدّم نوعاً من «رسم ملامح العالم المعاصر» وما يتم في هذا العالم من تحوّلات عميقة على خلفية ما يبرز فيه من ظواهر جديدة. والإشارة أن فهم هذه المؤشرات يسمح بمعرفة «مدى عمق التبدلات الجارية» وما يعني أن هناك «موازين قوى جديدة هي بطور التشكّل».
في المحصلة يمكن القول إن هذا الكتاب، الذي يقدّمه أحد كبار الخبراء الفرنسيين، بل والعالميين، في مجال «الجغرافيا العسكرية»، يمثّل عملاً جامعاً في توصيف موازين القوى في العالم اليوم. ذلك بالاعتماد على مشارب عدّة في البحث تشمل الجغرافيا السياسية والاقتصاد وعلوم الحرب. والإشارة أنه عمل زاخر بالخرائط الجغرافية «التوضيحية» وبالأرقام والإحصائيات حول موازين القوى القائمة والخطوط البيانية لتطوّرها في زمن العولمة.

