لا شك أن التنمية المستدامة هي أحد أكبر التحديات التي تواجهها البشرية في العصر الراهن. وإذا كان الواقع يدلّ على أن العديد من بلدان العالم اليوم تحقق مستوى هام من التنمية، كما تدل مؤشرات النمو الاقتصادي خاصّة بالنسبة إلى تلك البلدان التي يطلقون عليها توصيف «الصاعدة»، فإن التحدي ــ المعضلة الذي تواجهه البشرية يبقى قائما. ذلك أنه لا بدّ من تحقيق التنمية في البلدان الأكثر فقرا من جهة، ولا بدّ من تحقيق تنمية لا تؤدّي إلى تخريب البيئة الطبيعية وإلى تغيّرات مناخية قد تكون خطيرة على مصير العالم الذي نعيش فيه.

إن الاقتصادي الأميركي ذا الشهرة العالمية «جيفري د. ساتش»، مدير «معهد الأرض» في جامعة كولومبيا، يشرح في كتابه الجديد أنه قد حان الوقت الذي ينبغي فيه على الإنسانية أن تجد السبيل الذي توازن فيه بين «حاجاتها الأساسية» وبين «السبل التي تحتاجها البشرية والعالم الذي تعيش فيه للمحافظة على البقاء والاستمرار».

في البداية يقوم المؤلف بنوع من التأريخ للمسارات الاقتصادية العالمية التي عرفتها التنمية. ويحدد في هذا الإطار العوامل الأساسية التي جعلت بعض البلدان أكثر فقرا ــ مثل أغلبية البلدان الإفريقية ــ من بلدان أخرى عرفت الطريق إلى الثروة والازدهار.

المعنى المحدد الذي يطلقه المؤلف على التنمية المستدامة هو أنها «التنمية الاقتصادية التي تصب في فائدة كل المجتمع وتحافظ باستمرار على البيئة». ويشرح المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب أن التنمية المستدامة تتطلّب بالقطع وبالضرورة تفاعل «ثلاث منظومات معقّدة» هي «الاقتصاد العالمي» و«المجتمع العالمي» و«الواقع المادي للأرض». ويشرح أن «التنمية المستدامة» تساهم في إعطاء معنى حقيقي لهذه المنظومات الثلاث. ويرى أن التنمية المستدامة أحد أكثر تعبيراتها بروزاً «ممارسة يكمن جوهرها في البحث عن حلول للمشاكل». وكذلك تتطلّب التصدّي لمناقشة عدد من المواضيع المتعلّقة بالتنمية ومستقبلها.

في المحصّلة يصل المؤلف إلى التأكيد أنه لا يمكن للبشرية أن تتأخّر كثيرا عن تقديم بعض الإجابات على مسائل ملحّة لها علاقة بالتنمية المستدامة مثل «التغيّر المناخي» و«أفق نضوب مصادر الطاقة» وغير ذلك من التحديات الأساسية. هذا في وقت لا تزال القوى الكبرى في العالم، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة والصين، هي، بالكاد، بصدد أخذ الأمور بـ «جديّة».