لا شك أن الديموغرافيا هي أحد العوامل الأساسية في تحديد مصير العالم الذي نعيش فيه. وقد جرت العادة أن يتم الحديث عن هذه المسألة بنوع من «التحذير» مما يطلقون عليه غالباً توصيف «القنبلة الديموغرافية».

وهذا ما يتم التعبير عنه بمجموعة من الأسئلة مثل: كيف سيكون ممكناً تأمين الغذاء لأفواه تتزايد أكثر فأكثر بينما أن الثروات التي يمتلكها العالم الذي نعيش فيه ليست لانهائية؟ وكيف يمكن لأبناء حضارة الآلة أن لا يعتريهم الهلع من أفق نضوب مصادر الطاقة، وهي الأخرى لانهائية أيضاً؟ وسلسلة طويلة من الأسئلة تصب جميعها في هذا المنحى التحذيري في منظور المستقبل من «القنبلة الديموغرافية» التي يشكل «العالم الثالث مصدرها الأساسي»..

وتحت عنوان «القنبلة الديموغرافية موضع تساؤل»، يقدّم «إيف شاربيت»، أستاذ علم السكان ــ الديموغرافيا ــ في جامعة السوربون و«ماريز غايمار»، أستاذة المشرب العلمي نفسه في جامعة منطقة بورغون الفرنسية، كتاباً يدافعان فيه عن «موقف معاكس للمنحى التحذيري»، ويشرحان بطلان العديد من الأفكار المتداولة حول «الانفجار السكاني القادم».

وينطلق المؤلفان في تحليلاتهما من عملية توصيف لما يتم تداوله في النقاشات الدائرة في العالم منذ نصف قرن من الزمن التي تدور حول المسألة الديموغرافية وتأثيراتها في مستقبل العالم الذي نعيش فيه. وتحديد القول إن هذه المسألة تعبئ العديد من الاختصاصيين، وعلى رأسهم الديموغرافيون والدبلوماسيون، إضافة إلى العديد من الهيئات التابعة لمنظّمة الأمم المتحدة.

والإشارة إلى أنه من بين أكثر الأفكار تداولاً تلك القائلة إن هذا العالم يسير حكماً نحو كثافة سكانيّة مفرطة، وإن مثل هذا الأفق يثير مخاوف المجتمعات المعاصرة، بل التأكيد أنها «مسكونة بهذا الخوف».

بكل الحالات، يرى المؤلفان بالنتيجة العامّة أن مستوى التنمية ونسبة الذين يستفيدون منها هما اللذان يطرحان المشكلة، وليس عدد البشر. لكن بالمقابل يعتبران أن قدرة الحضارات أو «عدم قدرتها» على ضبط إيقاع مسارها الديموغرافي قد يكون عاملاً «حاسماً» بالنسبة إلى تقرير مصيرها، ذلك أنه يمثّل أداة أساسيّة بالنسبة إلى حريّتها الاقتصادية وتنظيم علاقاتها مع العالم وخلق التوازن بين ثرواتها وسكان دولها.