شكّلت أوروبا لفترة طويلة من الزمن «مركز العالم» حيث كانت المهد الحقيقي للثورة الصناعية الكبرى، وهي التي كانت قد امتلكت قبل ذلك الأساطيل البحريّة الكبرى وسادت للعالم. وفي هذه الحالة وتلك كانت القارّة «القديمة» مدفوعة برغبة التوسّع والتطلّع باستمرار إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من ثروات العالم في جميع الاتجاهات وصولاً إلى الشرق الأقصى وإلى الأميركتين الشمالية والجنوبية، وإلى إفريقيا والعديد من المناطق الآسيوية.

لكن أوروبا اليوم هي في موقع آخر. إنها على مفترق طرق كبير بين الماضي المزدهر «الذي مضى» وبين المستقبل الذي يحمل الكثير من الرهانات وغير القليل من التهديدات التي مصدرها «نــــقاط ساخنة» تلوح في الأفق الأوروبي.

هذا ما يشرحه الباحث الأميركي الاستراتيجي الأخصائي بالمسائل الأوروبية والعالمية جورج فريدمان في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «نقاط ساخنة، الأزمة الصاعدة في أوروبا». تجدر الإشارة بداية إلى أن تعبير «نقاط ساخنة» هو بمثابة ترجمة في قاموس السياسة لما يعني «بؤر النزاع والمناطق المتنازع عليها».

إن جــورج فـــريدمان، من موقع صاحب الرؤية الاستراتيجية، يحاول في هذا الكتاب الإجــــابة عن أســــئلة جوهرية ثلاثة تغـــطي منعطـــفات التاريخ الأوروبي الحديث وحـــــركاته الكبرى. هذه الأسئلة هي: كيف استـــطاعت أوروبا أن تفرض سيطرتها العالمية خلال فترة زمنية طويلة تمتد إلى قرون؟ وما هي أسباب الخــــلل وأشكال العجز التي طرأت وجعــــلت أوروبا تضلّ طريقها عامي 1914 و1945؟ والسؤال الثالث ماذا يمكن أن يخبئ المستقبل لأوروبا؟

تبقى نقطة انطلاق التاريخ الأوروبي الحديث التي يؤكّد المؤلف على أنها كانت بمثابة المنعطف الأكبر تتمثّل في تلك التي شرعت فيها القارّة بمشاريع الاكتشاف البحري والتي كان من بينها البحث عن طرق بحريّة جديدة للوصول إلى الهند أدّت إلى اكتشاف العالم الجديد، القارّة الأوروبية. ويرى المؤلف أنه كان وراء ذلك الانطلاق الأوروبي نحو الأفق الواسع رغبة الحصول على ثروات جديدة.

المحطة الثانية الكبرى في التاريخ الأوروبي الحديث يجدها فريدمان في الثورة الصناعية الكبرى في القرن التاسع عشر، والتي ارتبطت مع مشاريع التوسّع الاستعماري وقيام إمبراطوريات في مناطق عديدة من العالم تابعة لمراكز في أوروبا. وتحديد القول أن أوروبا مزجت عندها بين «الصناعة والأفكار ومشاريع القوّة الاستعمارية».

يرى المؤلف أن «الكثير من البذور التي كانت وراء قيام الحروب والنزاعات لا تزال موجودة في الأرض الأوروبية». ويرى أنه إذا كان الاتحاد الأوروبي قد حقق بالفعل قدرا كبيرا من السلام في أوروبا إلى جانب درجة هامّة من الاندماج بين مختلف شعوبها، فإن هذا لا يمنع واقع أن هناك احتمال قيام نزاعات «غير بعيدة عن العنف» بين بلدانه «على خلفية المنافسة بين المصالح».

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن «أشكال تنافس قديمة تعود للبروز من جديد». ويحدد القول إنه ليس أقلّها «نزعة التفوّق الألماني التي كانت كارثية في الماضي ــ النازية». وكذلك بروز وصعود العديد من التيارات والحركات ذات التوجّه السياسي والأيديولوجي اليميني المتطرّف.

ومن «البؤر الساخنة» التي يؤكّد عليها المؤلف «التهديد الذي تمثّله روسيا ذات النزعة العسكرية والتي تحاول أن تستأثر بمناطق النفوذ التي يخــــسرها الآخرون هو تهديد حقيقي». والتأكيد على ضرورة «المراقبة الحذرة» حـــيث «تتقارب» الحدود الشرقية لبولندا وسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا على الحدود الغربية لأوكرانيا.

الفكرة الأساسيّة التي يبدأ المؤلف كتابه بطرحها ويطوّرها في تحليلاته، مفادها أنه إذا كانت أوروبا تعتقد أن المصاعب والأزمات «أصبحت وراءها» فإنها تخطئ كثيرا. ذلك أن «الكثير من النقاط الساخنة لا تزال قائمة». هذا خاصة في «مناطق المواجهات» بين مكوّنات إثنية وقومية وعقائدية تعيش حالة من التوتر فيما بينها. وهذا ما ينتهي إليه أيضا جورج فريدمان.