عندما يتعاظم هاجس التهديد بالإرهاب أو غيره من المخاطر، تزداد معه نزعة اللجوء إلى إجراءات الأمن. وهذه هي الحال اليوم في المجتمعات الحديثة حيث برزت تهديدات عديدة عليها بشكل عام، وعلى تلك التي يجري توصيفها بـ «الديمقراطية» بشكل خاص. وبسبب مثل هذا الوضع عرفت السياسات الأمنية تعاظما في دورها بكل ما يتعلّق بـ «تنظيم آليات عمل المجتمعات المعنيّة بها». وبالتالي جرى اللجوء أكثر فأكثر إلى التكنولوجيا الرقمية على أساس أنها أثبتت فاعليتها بمجال الرقابة.

وتحت إشراف « بيير انطوان شارديل»، الأستاذ في مجال إدارة التكنولوجيات، يساهم عدد من الباحثين في كتاب جماعي يحمل عنوان «سياسات أمنية ورقابة أمنيّة». ويدرسون فيه بشكل أساسي مجموعة من المسائل التي استجدّت من خلال تعاظم ظاهرة لجوء الحكومات إلى تبنّي سياسات أمنية في البلدان الغربية عموما وأثر ذلك على «توازن» المجتمعات المعاصرة من الزوايا « السياسية والاجتماعية وبكل ما يتعلّق بالحياة اليومية».

ما يتم تأكيده في التحليلات المقدّمة في هذا العمل هو أن «هاجس الأمن» غدا متجذّراً في المجتمعات الغربية اعتبارا من المنعطف الذي شكّلته تفجيرات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 .

وأمام ما شاع من تهديد «الإرهاب» وضرورة مكافحته، وتحت عنوان «مطلب الأمن»، سادت في المجتمعات الغربية عموما حالة من القبول العام بالخضوع لمختلف أشكال الرقابة، بل ولأكثر أشكال الرقابة تقدما، أي تلك التي تعتمد على تكنولوجيا «الرقابة الرقمية».

والإشارة بأشكال مختلفة إلى أن أغلبية القادة والمسؤولين السياسيين في العالم يدفعون في نفس الاتجاه من أجل اتخاذ «إجراءات حماية أمنيّة». لكن مع الحرص على عدم الخوض في الأسباب العميقة الكامنة وراء حالات الاستياء التي تعيشها المجتمعات المعاصرة اليوم، كما يشرح العديد من المساهمين في هذا الكتاب.

هكذا يبدو اليوم أننا نعيش في عصر تلك «الرقابة» وأننا ابتعدنا بالمقابل «سريعا» عن الزمن الذي ارتبطت فيه شبكات الإنترنت بـ« الحرية وتبادل المعلومات والمعارف والانتقال دون خوف عبر مواقع تلك الشبكات ودون أن تترتب على ذلك أيّة نتائج».

تتم الإشارة في هذا السياق من قبل عدد من المساهمين إلى أن شبكات الإنترنت أتاحت للمستخدمين العاديين فرصة وضع أنفسهم في موقع « من ينظر له الآخرون على الشاشات». هنا تبرز مسألة أخرى تخص العلاقة بين « الوجود بنظر الآخرين» وبين « أن يكون المرء هدفا لرقابة الآخرين عليه». وهذا ما يصفه «جان غابرييب غاناسيا» في مساهمته في الكتاب بـ « التداخل بين الرقابة ورغبة الظهور».

 ويتحدث الكتاب عن بروز قوّة «الشركات والمجموعات الرقمية الكبرى التي توسّع من حدود إمبراطورياتها»، وفي غالبية الأحيان مع «تواطؤ المستخدمين للشبكات بوعي أو بغير وعي». وبهذا المعنى يشير «بيير انطوان شارديل»، المشرف على هذا الكتاب، في تقديمه له، إلى أن هناك في الواقع درجة عالية من « القبول الاجتماعي لتكنولوجيا الرقابة الرقميّة».

ومن وجهة نظر عامة فإن هذا الكتاب، يلقي الكثير من الضوء على جوانب لم يجر التعرّض لها كثيرا في النقاشات الدائرة حول العالم الرقمي وتكنولوجياته وآثاره السياسية والاقتصادية والمجتمعية. ولعل أهمية المقاربات التي يحتوي عليها هذا الكتاب لمسائل مركزية أنها ذات آفاق متنوّعة تجمع بين القانون والفلسفة والسياسة والعلوم الاجتماعية وغيرها من المشارب العلميّة.