اشتهرت منطقة آسيا الوسطى على أنها بلاد الصحارى والسهوب المترامية والهضاب المتناثرة والأقوام والثقافات والمعتقدات المتنوّعة. وقبل هذا كلّه أنها المنطقة التي تجتازها الطرق التي تربط الشرق بالغرب منذ الحقب القديمة. لكنها المنطقة التي تعود من جديد للبروز كمنطقة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، خاصّة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال العديد من بلدانها بعد تفككه، وهي المنطقة ذات الثروات الطبيعية الكبيرة وفي مقدّمتها مصادر الطاقة.
«آلان كاريو» ،أستاذ الجغرافيا في جامعة السوربون، يقدّم كتابا عن «آسيا الوسطى: الحدود والمجتمعات والبيئة المحيطة»، كما يقول عنوانه، ولعلّه الأول من نوعه من حيث إنه يدرس منطقة آسيا الوسطى كـ «كيان متكامل في إطار إقليمي بمنتهى التفرّد والخصوصية». ذلك على أساس ما تمثّله من «مجال جغرافي» موحّد على الصعيدين الجغرافي والثقافي.
إنها تقع بين قارّتين وبين قوّتين كبيرتين، صينية وروسية، وتمتد من بحر قزوين حتى غرب الصين بحيث تشكّل امتداداً جغرافياً يضم خمس دول أساسيّة ــ كانت في عداد الجمهوريات الاشتراكية في عهد الاتحاد السوفييتي السابق ــ تشمل كل من كازخستان وقرغيزستان واوزبكستان وطاجستان وتركمنستان، وإقليم «اويغور » .
ويركّز المؤلف في تحليلاته على القول إن «آسيا الوسطى» عرفت حالة من التهميش« والتفكك فيما بين مكوناتها أمام »المدّ الإمبريالي الروسي والصيني في القرن التاسع عشر ثم أمام تعاظم دور القوّتين الشيوعيتين في القرن العشرين. هكذا كان مكانها «على الهامش» بالنسبة للمجموعة الدولية.
ويدرس المؤلف ما يطلق عليه توصيف «الحضور اللغوي التركي والإيراني » في آسيا الوسطى. ويحدد القول إن هذا الحضور يتم التعبير عنه بشكل رئيسي من خلال «مجموعات لغوية» مبعثرة. ثمّ التأكيد على وجود حالة من «التداخل الثقافي» الكبير بين مختلف مجتمعات آسيا الوسطى.
في المحصّلة النهائية يرى المؤلف أن التطورات الجيوسياسية الكبرى التي شهدها العقدان الأخيران دفعت آسيا الوسطى نحو «مرحلة انتقالية» جديدة زاخرة بالكثير من «الزوابع» وربما بـ«التطورات الجذرية». ومقدمات ذلك تبدو في نوع من «الولادة السياسية» و«على صعيد الهوية» في هذه المنطقة من العالم. وما تتم ترجمته بالعودة إلى مركز الثقل والاهتمام الدولي من جديد.
