بعد أن نشر باللغة الأسبانية، ثمّ باللغة الإنجليزية وجد كتاب «حضارة الاستعراض»، لمؤلفه الكاتب والروائي المبدع ماريو فارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 2010 والمرشح للانتخابات الرئاسية في بلاده «البيرو» عام 2009، مكانه على رفوف المكتبات الفرنسية اعتبارا من الأول من شهر مايو هذا العام، 2015.
عنوان هذا العمل للكاتب الشهير يدفع إلى الذاكرة بالضرورة كتابا آخر هو «مجتمع الاستعراض» للكاتب غي بيدوس، والذي غدا مرجعية في ميدانه. المحور الرئيسي الذي تتركز حوله شروحات كتاب ماريو فارغاس يوسا مفاده أن ثورة الاتصالات والمعلوماتية لم تقم بواقع الأمر بـ«نشر الثقافة» بحيث تكون في متناول الجميع، بل ساهمت بالأحرى في «تعميم اللاثقافة، التجهيل».
ويطرح المؤلف بداية السؤال التالي: «ماذا تعني حضارة الاستعراض؟». ومما جاء في إجابته: «إنها تعني حضارة تعطي ثقافتها السائدة الأهميّة الأكبر للتسلية. وثقافة تشكّل المتعة وتجنّب كل ما يثير المتاعب فيها قيمتان كونيتان، يونيفرسال».
ويذهب أكثر في هذا الاتجاه ليقول ما دلالته أن حضارة الاستعراض هي «استعراض دون حضارة». ذلك كون أن الثقافة غيّرت «راديكاليا» من مضمونها على مدى عقود قليلة من الزمن. وهي لم تعد مرادفة أبدا لـ«الفكر والنقد وطرح الأسئلة الجوهرية».
ولا يتردد ماريو فرغاس يوسا في التأكيد أن مثل هذه الثقافة الاستعراضية «تعكس مسألة أخلاقية» هي في صميم الأسباب التي أدّت إلى انهيار الثقافة «العليا»، حسب التوصيف الذي كان يتم استخدامه «تقليديا» في الماضي، في العالم الغربي.
مكمن الخطر، أو أحد مكامن الخطر الرئيسية، الذي انطلق منه مسار الانحطاط «الثقافي» في الغرب يحدده في أنه منذ اللحظة التي انتهى فيها «الاتفاق» على ما هو جيّد وما هو سيئ «ثقافيا» في المجتمعات المعنية، غدا هناك نوع من «الخلط» في الأذهان بحيث ساد الإحساس أن «كل شيء له قيمة » و«لا شيء له قيمة بالوقت نفسه».
من هنا بالتحديد تمّ النظر للثقافة على أنها لم تعد أكثر من «طريقة لطيفة لتمضية الوقت». وبذلك ابتعدت عن طرح المسائل التي رافقت تقليديا الوجود الإنساني. ومن هنا يدافع يوسا أيضا عن ضرورة أن يحتفظ البشر «في عالم الغد» من أشياء عرفتها الثقافات القديمة مثل حقوق الاختلاف والتراتبية ودور النخب والمحافظة على مختلف الأفكار التي تؤكّد على القيمة الإنسانية.
مظاهر «التقهقر الثقافي» يجدها ماريو فارغاس يوسا في «الخفّة » التي غدت تتحلّى بها الفنون التي غدت «سهلة وتجارية» والآداب «ابتعدت عن كل ما يتطلّبه النقد الحقيقي».
لكن مؤلف هذا الكتاب يرى أن هذه المظاهر كلّها وغيرها التي تصب في نفس المنحى، رغم ما تحتوي عليه من مخاطر حقيقية، ليست بحدّ ذاتها سوى «أعراض مرض أخطر» وأكثر تدميراً للثقافة الحقيقية هو «تكريس ثقافة التسلية كهدف أعلى للحياة في مجتمعاتنا»، حسبما يكتب.
هكذا غدت «القيمة التجارية» للفن والأدب وغيرهما من ثمرات العمل الثقافي أكبر وأهم من «القيمة الحقيقية». بتعبير آخر يرى المؤلف أن مفاهيم السوق السائدة فيما يتعلّق بمؤشرات البيع والربح غدت هي صاحبة الكلمة العليا «ثقافيا». بالتوازي إن فقدان النخب الثقافية والأكاديمية التقليدية لـ«سلطتها الاجتماعية» و«السياسية» لم تتم ترجمته بـ«تعميم الديمقراطية الثقافية».
وكتاب يطالب فيه مؤلفه، المبدع، بضرورة التأكيد على حق اكتساب ثقافة لا تقوم بفرض أشكال جديدة من العبودية على البشر كالتي تمارسها اليوم «ثقافة الاستعراض». إنه يدعو إلى ثقافة يكون دورها هو أن تحرر البشر، وهذه هي إحدى الرسائل الأساسية في هذا العمل. وهو يؤكّد بشكل ضمني في مختلف الأفكار المقدّمة أنه يريد الدفاع عن الحريّة «بواسطة الأدب».

