هناك جيل من المبدعين الموسيقيين الذين تركوا بصماتهم على الأزمنة التي تلت وجودهم. ومن هؤلاء بالتأكيد الموسيقي الكبير لودفيغ فان بيتهوفن. هذا الموسيقي هو الذي طالب موسيقي كبير آخر هو شوبير بأن يستمع إلى إحدى سمفونياته، وبالتحديد السمفونية الرابعة عشرة، قبل أن يرحل عن الدنيا. والإشارة أن العديد من النقّاد اعتبروا أن هذه السمفونية هي أجمل عمل موسيقي عرفه التاريخ الموسيقي الإنساني كلّه في مختلف العصور.
إن سيرة حياة الموسيقي العظيم بيتهوفن هي موضوع كتاب الناقد الموسيقي جان سوافورد، أستاذ الموسيقى سابقا في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية وفي جامعة توفت. يحمل الكتاب عنوان «بيتهوفن: القلق والنجاح الباهر».
ولعلّ هذا هو العمل الأكثر اكتمالا وعمقا في سلسلة الكتب العديدة التي كرّسها مؤلفوها لهذه العبقرية الموسيقية «الخالدة». ومن بينها «بيتهوفن السياسي» و«بيتهوفن في أميركا» و«محادثات مع بيتهوفن».. إلخ. وما يهدف إليه المؤلف من هذه السيرة يحدده في المقدمة بـ«مقاربة الموضوع بالطريقة الأكثر وضوحا وبأبسط ما يمكن». ذلك بمعنى الابتعاد عن كل ما «يتكدّس من نظريات على مدى عقود حول سيرة حياة فنان بعد رحيله»، كما يشرح.
ومن النظريات التي يبتعد عنها مؤلف هذا الكتاب تلك التي ترددت في أعمال بعض الذين صنّفوا بيتهوفن في خانة «الحركة الرومانسية» التي شملت مختلف الآداب والفنون بما في ذلك الموسيقى. على العكس يتم تصنيفه من قبل سوافورد أنه بمثابة «ظاهرة متأخّرة لذهنية عصر التنوير ــ القرن الثامن عشر». ذلك بمعنى أنه كان «فناناً يعشق الحريّة».
ويشرح المؤلف أن بيتهوفن فرض أيضا على المستمعين لموسيقاه نوعا من «الطقوس والتقاليد» ليس أقلّها الإصغاء بقدر كبير من التركيز لما بدا بمثابة «الموسيقى العالية»، وما يعني في واقع الأمر «الموسيقى الكلاسيكية» التي دفعها بيتهوفن إلى قمّة لم تبرحها على مدى أجيال كاملة.
ما يؤكّده المؤلف هو أن بيتهوفن عاش السنوات الأخيرة من حياته في غاية الألم النفسي والجسدي. والإشارة أنه كان قد أصبح مدمنا على تعاطي المشروبات الكحولية مما زاد من ألمه وتدهور صحّته. بل يصل سوافورد إلى التأكيد أن ذلك كان السبب المباشر في وفاته.
