يعنى كتاب الباحثة روت مادنل، بتقصي حال وتاريخ المسلمين في أوروبا وما يترتب على ذلك من تعقيد على مستوى علاقتهم مع المجتمعات التي يعيشون في كنفها وما يواجهونه من تناقضات يفرضها التباين الكبير في المفاهيم والقيم وطرق العيش وصدمة الحداثة الغربية مسائل تشكّل بمجملها. ويحمل الكتاب، لمؤلفته :الأستاذة في جامعة لندن وحاملة شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية، عنوان «القلق الكوني».

تجدر الإشارة أن هذا الكتاب حصل على جائزة «وليام دوغلاس» التي تمنحها «جمعيّة الانتروبولوجيا» الأميركية لأفضل عمل يعالج السياق الأوروبي الراهن. وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تتعرّض لمختلف المسائل الذي يطرحها وجود المسلمين في البلدان الأوروبية وخاصّة في فرنسا وألمانيا واسبانيا وغيرها..

فإنها تكرس القسم الأكبر من تحليلاتها للعلاقات التي تقيمها ألمانيا مع المسلمين الأتراك الذين يشكّلون مكوّنا هاما في نسيج مجتمعها. من هنا يخص العنوان الفرعي للكتاب «التحديات التي يطرحها الأتراك على المواطنة والانتماء في ألمانيا».

تقدّم المؤلفة لمحة «تاريخية» موجزة للوجود «التاريخي» للمهاجرين الأتراك في ألمانيا. وتعيد بدايات قدومهم إلى سنوات الستينات من القرن الماضي، العشرين. وتحديد القول انه بتاريخ 30 أكتوبر من عام 1961 وقّعت جمهورية ألمانيا الاتحادية، الغربية، اتفاقية مع تركيا في «باد غودسبيرغ» لاستقدام أعداد كبيرة من اليد العاملة التركية للمساهمة فيما عُرف بــ «المعجزة الألمانية». وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ كان 652000 تركي يعيشون في ألمانيا. وتضاعف ذلك العدد مرّات فيما بعد وصولا إلى ما يقارب الـثلاثة ملايين في الوقت الراهن.

ولا تتردد «روت ماندل» في التأكيد أن الأتراك في ألمانيا عانوا من مختلف أشكال ممارسات التمييز العنصري ومن نتائج السياسات الألمانية حيال الهجرة.

في المحصّلة يمكن القول ان هذا الكتاب، ومن خلال مقاربة متعددة الوجوه بالاعتماد على علم الاجتماع والعلوم السياسية والدراسات الثقافية والتاريخ يمثّل مرجعا حقيقيا ليس للدارسين الأكاديميين فحسب، ولكن أيضا لمجموع القرّاء الذين يهتمون بالتعرّف على المجتمع الألماني المعاصر.