أوروبا هي حلم كبير «الدورادو» بالنسبة لأعداد هائلة من أولئك الذين يريدون التخلّص من أوضاع البؤس والفقر في بلدانهم التي يتم تصنيفها تحت خانة «العالم الثالث» أو «بلدان الجنوب»، وما يعني على ارض الواقع بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط تقليديا.

 وأضيفت لها بعض بلدان الشرق الأوسط منذ عدّة سنوات بسبب ما تشهده هذه المنطقة من عنف ودمار. و«الحلم الأوروبي» هو الذي يدفع الآلاف لخوض مغامرة البحر المتوسط بقصد الوصول إلى شواطئ بلدان شماله، هذا إذا لم «يبتلعهم البحر».

وتحت عنوان «المغامرة» يقدّم الصحافي والمصوّر الفرنسي «غريغوري لاسّال» كتابا يروي فيه قصّة «الرحلة التي قام بها ثلاثة من الشباب الأفارقة ــ من ساحل العاج ــ إلى أوروبا. لقد دخلوا «سرّا» إلى اوروبا عبر الحدود التركية ــ اليونانية. وقام الصحافي ــ المؤلف باتباع خطواتهم، وآلة التصوير على كتفه لمدّة عام كامل، كما يقول. وكانت النتيجة هي فيلم وثائقي، وهذا الكتاب.

يشير المؤلف في البداية أن الجميع يتفقون على أن مغامرة الهجرة هي ظاهرة تاريخية. وهي ظاهرة يمكن تحليلها من زوايا متعددة في مقدّمتها حق البشر في الانتقال من مكان إلى آخر أو على ضوء الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها بعض البلدان، مثل الحالة الإفريقية اليوم أو من خلال السياسات التي تتبعها الدول والكيانات الرسمية مثل الاتحاد الأوروبي أو غيره.

لكن مؤلف هذا الكتاب لديه زاوية أخرى لتحليل الظاهرة ــ المغامرة وهي تقديم صورة لكيفية تحقيقها عبر أولئك الذين عاشوها.

تبدأ «المغامرة» في الواقع، كما في هذا الكتاب، من بوّابة فيسّا، اي المركز الحدودي اليوناني وتنتهي عند الوصول إلى العاصمة الفرنسية باريس.

هكذا نقرأ أن المغامرين الثلاثة سكنوا مع 16 إفريقيا من ساحل العاج في قبو من غرفة وصالون مفتوح عليها في أحد الأقبية. في ذلك المكان الذي كانوا يقضون فيه كل وقتهم تقريبا وسط جدران ترشح منها المياه وبدون إنارة.

وتحت عنوان الخريف يكرّس المؤلف هذا الجزء من الكتاب لشرح المغامرة الفردية للمعنيين الثلاثة. لوسّيني الذي لعب دور القائد، ابن التاسعة والعشرين من العمر والذي كان عضوا في إحدى ميليشيات الرئيس أواتارا. والثاني موسى الذي عاش مشرّدا لسنوات في الشوارع ثم تعلّم مهنة لحم المعادن ــ الحدادة هو أمّي لا يعرف القراءة والكتابة.

والثالث ماديس، المغنّي، الذي خصّ بـ«فنّه» أغنيات تحكي عن الهجرة والمهاجرين وحياتهم اليومية. ينقل عنه المؤلف قوله أنه تعب من الحياة في بلاده...

إن المؤلف يروي على مدى الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب المحاولات العديدة التي قام بها الثلاثة للخروج من اليونان. والمسارات التي سلكوها في أوروبا حيث تشرّدوا في مقدونيا وصربيا وهنغاريا ــ المجر وحتى وصولهم إلى العاصمة الفرنسية باريس.

وفي مجمل صفحات الكتاب يكرّس المؤلف عمله للحديث عن أحلام هؤلاء الشباب الأفارقة وعن نهاية الأوهام التي عاشوها. وفيما هو أبعد من هذه الحالات الثلاث يصف المؤلف بعيدا عن إصدار أي حكم أخلاقي حقائق عن ظاهرة الهجرة المعاصرة ودوافعها. هذا مع تحديد القول ان الطريق من إفريقيا حتى قلب أوروبا الغربية غدا يمرّ من منطقة البلقان.