يتردد القول اليوم إن العالم يجتاز فترة خطيرة من مسيرته التاريخية. المؤشرات على ذلك كثيرة وليس أقلّها بروزا تزايد بؤر النزاع في العديد من المناطق في مقدمتها الشرق الأوسط. بالتوازي يشهد عالم الجرائم الكبرى ازدهارا كبيرا كما تشير العديد من الإحصائيات الرسمية. والعنف هو أيضا «على الموعد» ويعرف حالة من الانتشار والتوسّع بدرجة لا سابق لها منذ فترة طويلة، بينما أن مختلف أشكال الجنح الصغيرة يتضاعف مرّات ومرّات.

وبالتوازي مع هذا تفقد الدول الغربية عموما الكثير من قدرتها على حماية مجتمعاتها من تعاظم المخاطر الجديدة التي تهددها. وليس أقل هذه المخاطر بالنسبة للعديد من البلدان موجات الهجرة الخارجة عن جميع أشكال الرقابة والقادمة من بلدان تفقد القدرة على ما يؤمّن وسائل العيش الضرورية لمواطنيها.

 وهناك الظاهرة المهددة المتمثّلة في النشاطات المالية غير المشروعة التي تمارسها مجموعات منظّمة على شاكلة «منظمات المافيا» التي برعت في «توظيف» تكنولوجيات الثورة الرقمية لنشاطاتها ولتوسيع شبكة «أعمالها»..

هذه الصورة لعالم اليوم هي التي يرسمها الصحفي الفرنسي بيير بيرتوليه في كتابه الذي يحمل عنوان «فوضى دولية وأمن شامل». والعنوان بليغ الدلالة على المواضيع التي يناقشها المؤلف في المحاور ـ الأقسام الثلاثة التي يتألف منها عمله.

والشطران اللذان ينالان اهتمام المؤلف هما بوضوح «الفوضى» الزاحفة و«الأمن» المطلوب منه مواجهتها في العالم الراهن. يناقش المؤلف بداية الأمن باعتباره «مفهوماً للعمل السياسي» بل إنه «يحتل كامل المجال السياسي»، كما يؤكّد. هذا مع محاولة استعراض مجموعة التعريفات التي تتردد حول ما ينضوي تحت العنوان العريض الذي يجسّده «الأمن».

ويوضح ان «حالة الفوضى» و«الأمن الشامل» همّا حدّا العالم الذي يرتسم أمامنا مثل «بحر شاسع» ومجهول المآل. والمؤلف يطمح بتقديم بعض «مفاتيح القراءة حول الأمن والاهتمام ببعض المسائل التي تبدو راهنة أكثر من أي يوم مضى».

ويميل المؤلف إلى تعميم تأكيد المقولة التي انتشرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره بعد أن كان قد أطلقها المفكّر الأميركي صموئيل هنتغنتون والخاصّة بـ«صدام الحضارات». هذا مع فارق تبنّي مؤلف هذا الكتاب لصيغة مفادها أن العالم قد دخل في مرحلة «حضارة الصدمات».