يطلق تعبير «المسألة الشرقية» في التاريخ الحديث للدلالة على مختلف أشكال النزاعات التي قامت بين القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر من أجل النفوذ في المنطقة الواقعة في الجزء الشرقي لحوض البحر المتوسّط وبلاد منطقة البلقان. والقوى المعنية هي بشكل رئيسي كل من فرنسا والمملكة المتحدة البريطانية وروسيا، وبدرجة أقلّ إيطاليا وألمانيا. تضاف لهذه الدول الإمبراطورية النمساوية ــ الهنغارية التي أنهت الحرب العالمية الأولى وجودها.

و«المسألة الشرقية» هي موضوع الكتاب الأخير لـلمؤرّخ الفرنسي «جاك فريمو» أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة السوربون. وهو يدرس فيه ما يصفه بـ«التوترات المستمرّة» منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم في المنطقة الممتدة من بلاد البلقان حتى أفغانستان والتي تلقي ظلالها على منطقة «الشرق» عموما وأبعد من ذلك على المستوى العالمي الأشمل.

وبعد الإشارة أن تعبير «المسألة الشرقية» جرى استخدامه بمدلوله الأوّلي في حوالي عام 1774 للتعبير عن النزاعات بين القوى الكبرى آنذاك، وخاصّة البريطانية والفرنسية والروسيّة، يشرح المؤلف أنه غدا بعيداً عن الاستخدام في القاموس «الجيوسياسي» اعتبارا من هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918 واختفائها تماما من المشهد عام 1923.

لكن المؤلف يؤكّد على فكرة أن «كل تاريخ هو معاصر». ومن هنا يحاول اصطحاب قارئه، على ضوء رهانات «المسألة الشرقية»، لتوضيح صورة الشرق بما يعرفه من أحداث راهنة. ويرى أن الإمبراطوريات القديمة من عثمانية وفارسية ومغولية في الهند انهارت، لكن آثارها لا تزال باقية وفاعلة حتى اليوم.

ويحدد المؤلف تاريخين مثّلا نوعاً من المنعطفات الحاسمة في السياسات الروسية حيال المنطقة المعنية. التاريخ الأول يعود لعام 1770 عندما دخلت أساطيل «كاترين الثانية»، أحد أشهر قياصرة روسيا وأكثرهم طموحا، إلى البحر الأبيض المتوسط.

والتاريخ الثاني يجده المؤلف في عام 1945، أي مع نهاية الحرب العالمية الثانية. في هذه الحقبة الجديدة بقيت طموحات روسيا ممثلة بـ«الاتحاد السوفييتي السابق» كبيرة في المنطقة المعنيّة، لكن الخصم الذي دخلت معه في نزاع عليها تغيّر، حيث تقهقر دور بريطانيا ليبرز مكانه طموح الولايات المتحدة الأميركية.