تشكّل اللحوم بكلّ أنواعها إحدى المواد الغذائية الأساسية في مختلف حضارات العالم منذ قرون طويلة. وكان تناول الطرائد قد تزامن مع التغذية بالخضار والفواكه منذ الحقبة التي يطلقون عليها تسمية «حقبة القطف والصيد» في مسار تطوّر المجتمعات الإنسانية.
لكن هذا البعد «التاريخي» لم يمنع بروز ظاهرة قديمة هي الأخرى تتمثّل في عزوف شريحة من البشر عن تناول اللحوم في تغذيتهم. هذه الفئة يطلقون عليها عامّة توصيف «النباتيين» الذين تشكل المنتجات النباتية مصدر تغذيتهم الرئيسي.
ظاهرة التغذية النباتية وأعداؤها من مستهلكي اللحوم بشتى أنواعها هي موضوع كتاب «رونان لارو »، الباحث في جامعة مونتريال بكندا وأستاذ الأدب الفرنسي فيها، الذي يدرس تاريخية الظاهرة منذ العصور القديمة حتى اليوم والأسس التي يتبنّاها النباتيون في خيارهم الغذائي، كما يدرس مختلف الحجج التي يقدّمها المناوئون لتلك الظاهرة. يحمل الكتاب عنوان «التغذية النباتية وأعداؤها» مع عنوان فرعي مفاده «2500 سنة من النقاشات».
يحدد المؤلف في البداية تعبير«النباتيين» بأنه يدلّ على أولئك الذين قد حذفوا من وجباتهم الغذائية كل ما له صلة باللحوم أو بالأسماك وما ينتمي إلى عالم البحار. بل وتشمل قائمة الممنوع عليهم من الأطعمة كل ما هو من مصدر حيواني كالحليب ومشتقاته أو البيض.. إلخ. وهم يكتفون بتناول الأغذية ذات المصدر النباتي من حبوب خضار.
والإشارة في هذا الإطار أن بعض «المتشددين» من النباتيين يرفضون استخدام كل ما له أصل حيواني مثل الثياب الجلدية أو مستحضرات التجميل التي يدخل في تركيبها بعض المكوّنات الحيوانيّة. يكتب المؤلف بتوصيف هؤلاء ما مفاده «إن الذي يجمع بينهم هو طريقتهم المشتركة في الطعام واختيار الملابس . فهم لا ينحدرون من أيّة مجموعة عقائدية أو سياسية أو إتنيّة خاصّة».
ما يؤكّده المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هو أن النقاشات، بل الجدل الحادّ أحياناً، بين من يطلقون عليهم توصيف «النباتيين» وبين «مستهلكي اللحوم » على موائد طعامهم هي نقاشات قديمة جداً. ويشير إلى أن الطرفين يستخدمان بعض الحجج التي تتردد منذ الأزمنة القديمة، بينما أن بعض حجج تلك الأزمنة قد أصبحت طي النسيان التام. ويرى «رونان لارو» أن النقاش بين «النباتيين »..
و«مستهلكي اللحوم» يتميز بكثير من الثراء من حيث المواضيع المتفرّقة التي يتعرّض لها. هذا وصولاً إلى التأكيد أن تلك النقاشات أبرزت أحد مواضيع الجدل الأساسية في العصور القديمة.
ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى أن فلاسفة يونانيين كباراً أظهروا مواقف عدائية تماماً حيال استهلاك اللحوم في التغذية. ومن هؤلاء الفيلسوف الشهير «فيثاغورث» الذي «كان نباتياً» قبل ظهور هذا التعبير. وكان فيلسوف آخر هو «بلوتارك» قد قدّم الكثير من الشرح والتحليل لما اعتبره أشكال «عدم الانسجام في الخطاب الذي كان يردده مستهلكو اللحوم».
وفي المحصّلة النهائية لمجمل التحليلات التي يقدّمها المؤلف يصل إلى القول إن المسألة لا تتعلّق «حصرياً» في واقع الأمر بتناول أغذية نباتية أو ذات منشأ حيواني. بل إن الرهان هو أخلاقي وذو علاقة برؤية العالم أكثر مما هو رهان له علاقة مباشرة بالتغذية.
ومن النتائج الأساسية التي يختم عبرها المؤلف تحليلاته «توقّعه» أن القرن الحادي والعشرين قد يكون الفترة الأكثر ملاءمة في التاريخ لـ «التغذية النباتية».

