من المعروف أنه يتم التأكيد في مختلف المجتمعات التي يطلقون عليها توصيف «الحديثة» على ضرورة احترام هامش «الاستقلال الذاتي» للبشر. بل ويتم غالباً اعتبار أن هذه المسألة تشكل السبيل الأهم الذي يؤدّي إلى الاعتراف الكامل بـ «القيمة التي يتمتّع بها الشخص الإنساني».

لكن تلك القيمة التي يتم النظر إليها في المجتمعات الغربية كإحدى السمات الأساسية الكونيّة «يونيفرسال» لا تجد صداها الإيجابي لدى الباحثة الأميركية المعروفة في مجال الفلسفة «ساره كونلي». وهي تكرّس كتابها الأخير الصادر في الولايات المتحدة قبل ثلاث سنوات وتمّت ترجمته هذا العام للغة الفرنسية تحت عنوان «ضد الاستقلال الذاتي».

إن ساره كونلي تعتمد في تحليلاتها بهذا الكتاب على مجموعة من المصادر المتنوّعة التي تشمل ميادين الفلسفة والسلوك الاقتصادي وعلم النفس الاجتماعي كي تبيّن أن الكثير من أنماط السلوك وآليات اتخاذ القرارات في مختلف الميادين والمشارب ليست «حرّة في الكثير من الأحيان» .

والوصول عبر ذلك إلى القول إن بعض الخيارات التي يركن لها البشر ليست «مستقلّة ذاتياً» على عكس ما يقال ويتردد كثيراً. بل والتأكيد بالمقابل أنها قد تكون «مؤذية» وتذهب في عكس اتجاه الهدف الذي يرجوه كل إنسان في حياته من بلوغ «الصحّة السليمة والتمتع بالحريّة وأن يكون سعيداً». نقرأ :« علينا أن نذكّر بعضنا بعضاً أن الإفراط في تناول ما هو سيء يقصّر حياتنا ويزيد من آلامنا».

وتعود المؤلفة في بداية الكتاب إلى ذلك القرار الذي اتخذه رئيس بلدية نيويورك عام 2012 «مايكل بلومبيرغ» الذي منع فيه بيع المشروبات التي تحتوي على كميّة كبيرة من السكّر في قوارير تبلغ سعتها أكثر من نصف ليتر. كان ذلك بقصد مكافحة «السمنة» المنتشرة كثيراً، كما هو معروف، في الولايات المتحدة الأميركية بشكل عام. وهنا تبرز المؤلفة منحى تفكيرها حول ذلك بكتابة أنها مع « تقليص كمّيات الطعام في الأطباق الشعبية الغنيّة بالدسم».

ومن النتائج الأساسية التي تتوصّل لها المؤلفة تأكيدها أن البشر ليسوا «عقلانيين» بالدرجة الكافية «كي يصنعوا سعادتهم بأنفسهم».

لكن تجدر الإشارة أن مؤلفة هذا الكتاب تؤكّد أيضاً عدم المبالغة في «التدخل الخارجي» في حياة البشر الذين يعرفون بالتأكيد الأهداف التي يسعون لتحقيقها، لكنهم قد يخطئون في اختيار السبل لتحقيق ذلك.