عرف العالم منذ انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 تبدّلاً كبيراً في موازين القوى الدولية. لقد انهارت بعد ذلك مباشرة القوّة العظمى التي كان يمثّلها الاتحاد السوفييتي السابق وبدت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة الباقية التي تطلّعت لها أنظار العالم أجمع، على أنها مركز القوّة الجديد بعد انتصار الرأسمالية على المعسكر الاشتراكي.

وبمناسبة احتفال ألمانيا عام 2014 بالذكرى الخامسة والعشرين لانهيار جدار برلين بدا بوضوح أن الصورة قد تغيّرت كثيرا وارتسمت موازين قوى جديدة في العالم. هذا ما يؤكّد عليه الدبلوماسي الفرنسي «بيير بوهلر» في كتابه الذي يحمل عنوان «القوّة في القرن الحادي والعشرين» مع عنوان فرعي مفاده :«التعريفات الجديدة للعالم».

كان هذا الكتاب قد صدر بنسخته الأولى عام 2011 عن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ثم صدر من جديد قبل أشهر بعد أن أعاد مؤلفه النظر فيه على ضوء المستجدات والمعطيات العالمية المتسارعة خلال السنوات الأربع الماضية ليغدو بمثابة عمل جديد اكثر حداثة وثراءً. تجدر الإشارة أن وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين هو الذي حرر مقدّمة هذا العمل.

يبدأ المؤلف كتابه بالإشارة إلى احتفال ألمانيا بالذكرى الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين بالتزامن مع بروز «صورة عالم لم يعد سهلا التعرّف على معالمه بعد ما يعادل عدد سنوات جيل واحد منذ عام 1989». ويضيف أنه «عالم برز عبر ربع قرن من الاضطرابات».

ويشرح المؤلف أن فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة التي استمرّت طيلة عدّة عقود من الزمن أعطت «ثمارها» المتمثّلة أساسا في بروز «أمن جماعي عبر التعاون» و«فاعلية مفهوم تعدد الأقطاب في العالم» و«بداية حقبة ما بعد الحداثة في أوروبا» و«الازدهار وحريّة التجارة والتداخل في عمل الأمم على أرض تواجه أخطارا مشتركة تهدد الجميع».

ويرى المؤلف أن مكامن القوّة في القرن الحادي والعشرين تخضع لتوفّر مجموعة من المصادر المادية والبشرية والاقتصادية التي توفّر للدولة المعنية بها سبل إبراز قوتها في ظل الظاهرة الجديدة تماما التي تمثّلها ثورة المعلوماتية والاتصالات وما يرافقها من تجديد بكل أشكاله وليس فقط تكنولوجيا بل أيضاً اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً.