الولايات المتحدة الأميركية هي أمّة من المهاجرين الذين كانوا قد قدموا إلى البلاد من مختلف مناطق العالم. كان الدافع الرئيسي وراء الموجات المتتالية من المهاجرين تحسين مستوى العيش وخوض مغامرة ما عُرف بـ «الحلم الأميركي». وكانت هناك شريحة من الأميركيين قد عرفت حالة من الثراء ورغد العيش فيما شاعت تسميته بـ «العصر الجميل» الأميركي.

لكن ذلك العصر الجميل أصبح ينتمي، من حيث أنماط سلوك بشره، إلى الماضي بالنسبة لشرائح واسعة وازدادت نسبتها بين الأميركيين خلال العقود المنصرمة. هذا بالتحديد ما يؤكّده «ستيف فريزر»، مؤرّخ المجتمع الأميركي المعاصر، في كتابه الذي يحمل عنوان «عصر الرضوخ».

ما يدرسه المؤلف في هذا العمل هو التبدّل الذي عرفه المجتمع الأميركي في الفترة الراهنة. وتحديد هذه الفترة الراهنة التي يقصدها منذ وصول الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إلى السلطة عام 1980 حتى اليوم. وتتسم هذه الفترة بزيادة ساعات العمل الأسبوعي مع تناقص الأجور والغياب الكبير للحوافز والمكافآت وفي الوقت نفسه «ترويض الأميركيين» لقبول ذلك كلّه و«الرضوخ» له.

هكذا يشير أنه في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان أولئك الذين يتم جمعهم في خانة «العمّال المنتجين» لا يترددون في اللجوء إلى مختلف أنماط الاحتجاج، بما في ذلك العنيفة منها، ضد ما يعتبرونه مناهضاً لمصالحهم ومتناقضاً مع مفاهيم العدالة الإنسانية. وما يطلق عليه المؤلف توصيف «المقاومة الواسعة ومتعددة الأشكال».

إن هذا الكتاب هو بأحد وجوهه الرئيسية عن العلاقة بين الشرائح الأكثر فقرا والأدنى في سلّم العمل وبين الأكثر ثراء الذين يشكلون في السياق الحالي نسبة لا تزيد على 1 في المئة من مجموع السكان بينما يمتلكون 40 في المئة من الثروة الوطنية في الولايات المتحدة الأميركية. وهذه الأرقام تمثّل تعبيرا بليغا، كما يشرح المؤلف، عن تعاظم هوّة «التباين» بين الأميركيين وبدرجة لم تعرفها البلاد منذ أكثر من قرن من الزمن.

وفي العموم، يدرس مؤلف الكتاب التبدّل الذي أصاب المجتمع الأميركي على ضوء ردود الفعل حيال بعض الممارسات والوقائع والأوضاع السائدة اليوم، وتلك الردود التي أثارتها نفس الممارسات والوقائع والأوضاع في فترة سابقة.