أحبّ فرنسا التي ربطته معها علاقة مديدة.. ووجّه نقده لها من موقع المحبّ بيتر سلوتيرجيك هو أحد أكثر الفلاسفة والمفكرين الألمان المعاصرين الذين يولون اهتماماً خاصاً بفرنسا.

 وهو يشير دائماً إلى أنه شديد الإعجاب بالفلاسفة والمبدعين الفرنسيين من أمثال ديكارت وفولتير والكسندر دوما ولويس التوسير وغيرهم. لكنه إلى جانب إعجابه بهم يحرص دائماً على «أخذ مسافة عن أفكارهم». هذه المسافة هي بالتحديد التي يحرص عليها في كتابه عن فرنسا الذي يحمل عنوان «فرنسا كما أراها».

هذا الكتاب عن فرنسا يضمّم 22 نصّاً كان المؤلف ــ الفيلسوف الألماني الشهير قد نشر بعضها في صحف ودوريات ألمانية وفرنسية، بينما القسم الأكبر منها يتم نشره للمرّة الأولى. وهي تمثّل بمجموعها ملامح الصورة الفلسفية والسياسية والفكرية والتاريخية لفرنسا كما يراها «من دون رتوش» و«دون محاباة»، كما يشير، ولكن أيضاً «مع كثير من الإعجاب»، كما يضيف.

العلاقة التي يقيمها المؤلف الفيلسوف ــ الألماني مع فرنسا تعبرّ عنها جيّداً الجملة التالية: «إنها ــ فرنسا ــ قريبة جداً ومع ذلك بعيدة». ومثل هذا «الغموض» يجد أصداءه في توصيفات لفرنسا مثل «القديمة جداً» و«المتجذّرة في الأرض» و«ذات الهوية الأصيلة». ولكن في الوقت نفسه التي توحي بما هي عليه اليوم الكثير من «القلق والتردد ».

مثل هذه العلاقة تتم ترجمتها الشخصية بما يلي: «إن فرنسا تمثّل بالنسبة لي، بصورة ما، منذ أكثر من نصف قرن رفيقة دربي. لكنها رفيقة غريبة بالتأكيد، إذ كانت باستمرار في موقع الخطيبة المحبوبة جداً والمرغوبة جداً ولكن دون أن نستطيع، مع ذلك، في أي يوم أن نوقع عقد العيش المشترك الدائم». مثل هذه العلاقة هي التي جعلت المؤلف يختار لكتابه عنوان «فرنسا كما أراها»، بل ربما بدقة أكبر «فرنساي»، بنوع من «المناجاة».

وإذا كان المؤلف يفصح بأشكال عدة عن إعجابه بفرنسا وبما قدّمه فلاسفتها ومفكروها ونخبها «التي أعطت الكثير في مجال الفنون والآداب والفكر السياسي والفلسفة»، فإنه يعلن في الوقت نفسه «أسفه» العميق كون أن ذلك الإرث الثمين لم يتم نقله بما يكفي من جيل إلى آخر، ولم يتم البناء عليه في المراحل اللاحقة، هذا بحيث أن تاريخها يبدو زاخراً بالعديد من القطيعات.