تمثّل الولايات المتحدة الأميركية «أمّة فتيّة» بالقياس إلى الأمم ذات التاريخ العريق. لكنها أمّة لها تاريخها الفريد من حيث تكوّنها منذ الأصل من مجموعة من المستعمرات المتنوّعة السكان والمشارب.
وداخل هذا التاريخ الفريد هناك تاريخ «أكثر تفرّدا» لأحد مكوّناتها المهمة، المتمثّل في المكوّن الإفريقي، الذي بدأ بمجموعة من العبيد، الذين تمّ استقدامهم من القارّة السوداء في إطار ما عُرف بـ «تجارة العبيد»، والذين ينحدر منهم الرئيس الأمـــيركي الحالي باراك اوباما.
إن أستاذة الدراسات الإفريقية في جامعة بوسطن الأميركية «ليندا م. هايوود» هي إحدى المرجعيات في مجال دراسات الدور الذي لعبه الأميركيون ــ الأفارقة في التاريخ الأميركي بصورة عامّة وفي النضال الذي خاضوه من أجل نيل حقوقهم المدنية وبلغ ذروته في النصف الثاني من القرن الماضي، العشرين.
يتضمن هذا الكتاب مجموعة من الدراسات المتنوّعة والوثائق التاريخية واليوميات ومقتطفات من مذكرات أصحاب القرار الأميركيين ومن ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي سُمح بالإطلاع عليها مؤخّرا. ذلك في منظور التعرّف على «مسائل مهملة لها علاقة بالعرق وبالعلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية».
تتكوّن المادة الأساسية لموضوعات هذا العمل من كتابات وشهادات وسيرة حياة دبلوماسيين أميركيين من أصول إفريقية من أمثال «فريدريك دوغلاس» نفسه الذي كان «عبدا عند ولادته» عام 1818 وهو صاحب الكتاب الشهير «قصّة حياة فريدريك دوغلاسن، عبد أميركي». ثمّ غدا ذلك «العبد» أحد اشهر الكتّاب الأميركيين، وكذلك أحد أشهر مناهضي التمييز العنصري ودعاة وضع حدّ نهائي للعبودية في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر.
وكان «فريدريك دوغلاس» قد شغل لفترة عامين مناصب دبلوماسية، منها منصب القنصل العام لجمهورية هاييتي ثمّ مسؤولا عن الشؤون المتعلّقة بجمهورية الدومينيكان. لكنه قرر في نهاية عامين من العمل الدبلوماسي الاستقالة والابتعاد عن ذلك المجال بسبب الاختلاف مع سياسة الحكومة الأميركية آنذاك. وتحوّل بعد ذلك إلى النشاط السياسي .
ومن المبادئ الأساسية التي أكّد عليها باستمرار طيلة حياته التركيز على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الأميركيين من نساء وذوي بشرة سوداء وأبناء البلاد الأصليين والمهاجرين، حتّى أولئك منهم الذين قدموا إلى للولايات المتحدة الأميركية منذ عهد قريب.
نال «دوغلاس»، الذي يمثل أحد الرموز الأساسية الأولى لمساهمة الأميركيين من أصول إفريقية في السياسة الأميركية عموما، موقعا استثنائيا في زمنه كأحد سياسيي أميركا. ذلك وصولا إلى أنه كان مرشحا لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب «فكتوريا وودهول» التي كانت أوّل سيّدة تترشّح لمنصب رئاسة البلاد.
ومثال آخر للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية الذين عملوا في مجال السياسة الخارجية الأميركية هو «والتر كارينغتون»، الذي شغل منصب «سفير فوق العادة» للولايات المتحدة في من السنغال، ثمّ عيّنه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون سفيرا في نيجيريا خلال سنوات 1993 ــ 1997.
وتتم الإشارة إلى العلاقات الوثيقة التي ربطت«كارينغتون» بنيجيريا منذ سنوات شبابه الأولى وصولا إلى زواجه من فتاة نيجيرية.
والسفير الأميركي من أصل إفريقي «شارل ر. سميث» هو أيضا كاتب ورجل سياسة.
ومن خلال مختلف النماذج الأميركية من أصول إفريقية التي يجري استعراض نبذة عن «سيرتها الدبلوماسية والسياسية» في هذا الكتاب، يتم إبراز كيف أن الدبلوماسيين الأميركيين السود أبدوا باستمرار تعاطفا خاصا مع القارّة التي تعود أصولهم لها. مع خدمتهم بإخلاص الأمة الأميركية التي ينتمون لها، رغم ما ما كانوا قد عانوا منه من سياساتها على أصعدة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
والتأكيد في النهاية أن وصول باراك اوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية بدّل جوهريا من المعطيات «العرقية» في العلاقات الأميركية ــ الأميركية. وما كان «استثناءً» حتى الماضي القريب سوف يغدو «قاعدة» اعتبارا من منعطف «اوباما».

