عرفت القارة الإفريقية موجات عديدة من المستعمرين البيض القادمين بأغلبيتهم الساحقة من القارّة الأوروبية. واستوطن عدد كبير منهم بلدانها حيث أسس بعضهم نظاماً عنصرياً «أبيض» كالذي عرفته جنوب إفريقيا لعقود طويلة. وكان على رأس أولئك المستعمرين الإنجليز والبرتغاليون والفرنسيون والإيطاليون.
هؤلاء المستوطنون عانوا الكثير من الألم عندما وجدوا أنفسهم مرغمين على مغادرة البلدان التي عرفوا ولادتهم فيها وترعرعوا في ربوعها وبالتالي نما في داخلهم الإحساس أنها غدت «أوطاناً حقيقية» لهم. وهذه الفئة بالتحديد هي التي عبّرت عن حالة التمزّق التي عاشتها عند الرحيل النهائي عن إفريقيا.
وقد عبّر عدد من العاملين بين المعنيين في مجال الكتابة عن ذلك في كتابة يومياتهم ومذكراتهم وفي أحيان كثيرة سيَر حياتهم. ومن بين هؤلاء الروائية البريطانية الأصل الكسندرا فولر في كتابها الذي يحمل عنوان «الرحيل قبل هطول المطر». وهي من مواليد بريطانيا لكنها عاشت القسم الأكبر من حياتها في إفريقيا.
وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب ــ المذكرات الشخصية تروي الكثير عن تجربتها الشخصية، فإن هذا العمل يحتوي أيضا على قيمة توثيقية مهمّة حول الفترة الاستعمارية في إفريقيا وحول الصراعات النفسية الداخلية التي عاشها المستعمرون الذين كان يدرك الكثير منهم مدى الظلم الذي سببوه بالنسبة لأهل البلدان الإفريقية الأصليين، الأفارقة.
ومن التوصيفات التي تقدمها المؤلفة لإفريقيا في تلك الحقبة من الزمن أنها كانت، من جهة، لاتزال متوحّشة إلى درجة كبيرة وتعج بالاضطرابات وبالمخاطر؛ ومن جهة أخرى أنها كانت زاخرة بالحياة وبالرومانسية وبكل ما يبعث في النفس النشوة.
وترسم المؤلفة صورة للرجل الأميركي الذي أصبح زوجها. ومما ترويه أنها اختارته ذات يوم عندما «رأت فيه شاباً وسيماً وهو يمتطي صهوة حصانه» عندما كان يصطحب مجموعة من السائحين في زيارة للأدغال الإفريقية. وتحدد القول انه كان رجلاً «هادئا ومحدد السلوك وينظر باستمرار نحو مستقبله في إفريقيا». كما تشير أن شخصيته كانت نموذجاً «للغربي ــ الأميركي الذي يعتبر نفسه متمدّنا ويريد أن يحافظ على ذلك».
