في مطلع شهر أغسطس من عام 1945 قصفت الطائرات الأميركية مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالسلاح الذري لتعلن اليابان استسلامها وتنتهي الحرب العالمية الثانية. وفي الحادي عشر من شهر مارس من عام 2011، أي بعد 70 سنة من قصف المدينتين اليابانيتين تعرّضت اليابان لكارثة نووية رهيبة مع حادث تفجّر في مفاعلات فوكوشيما النووية.

في الحالتين لم تُعرف سوى أشياء قليلة عن الخراب الذي سببته الإشعاعات النووية بالنسبة لأولئك الذين تعرّضوا لها وللأماكن التي كانت مسرحها. وفي الحالتين جرى التطبيق الصارم لـ«آليات السرّ» وللـ« التضليل الإعلامي»، وبتواطؤ «صامت» بين رجال السياسة ورجال الصناعة، كما يشرح السينمائي الفرنسي «مارك بوتيجان» في كتابه الصادر مؤخّراً تحت عنوان «من هيروشيما إلى فوكوشيما».

وهو يحاول في هذا العمل أن يكشف عن حقيقة الآثار الرهيبة التي تخلّفها الإشعاعات النووية على الذين يتعرّضون لها. «شونتارو هيدا» هو طبيب ياباني كان حاضرا في مدينة هيروشيما بعد ساعات قليلة من قصفها بالسلاح الذرّي في شهر أغسطس من عام 1945. بالتالي كان شاهداً مباشراً على تلك الفترة الرهيبة من حياة أبناء المدينة. ثم تابع عمله كطبيب في معالجة الذين بقوا منهم على قيد الحياة خلال السنوات اللاحقة.

من هنا كان شاهدا أيضا على مسار تطوّر آثار الإشعاع النووي. ويشير المؤلف أن الدكتور «هيدا» أمضى طيلة سنوات حياته التالية في الدفاع عن حقوق «الضحايا» الذين تعرّضوا للإشعاعات النووية وكذلك من أجل تثبيت الاعتراف بـ«الخراب البشري والمادي» الذي يترتب على التدمير النووي.

ويحدد المؤلف القول انه عند وصول الطبيب «هيدا» إلى هيروشيما المهشّمة شرع بمعالجة الضحايا لتبدأ «معركة حياته» كلها في «معالجة المصابين بالإشعاع النووي والبحث بقصد التعرّف على آثار الإشعاع اللاحقة». واستمرّ الدكتور هيدا في ذلك العمل ستة عقود كاملة جاب خلالها اليابان كلّها ليشرح لناس أخطار الإشعاعات النووية ولتشجيعهم على المـــطالبة بحــــقوقهم في الصحّة والعــــدالة. والتأكيد خاصّة في هذا السياق على حق الجـــميع في «العلاج».

من هنا يقدّم المؤلف ــ السينمائي صورة رجل على أبواب عامه المئة أمضى حياته، ولا يزال يخوض معركة حقيقية ضد نكران الآثار «الداخلية» المترتبة على الإشعاعات النووية، «ذلك الخطر المهدد وغير المرئي» الذي يمكن أن يتعرّض له الملايين من البشر.

وعبر قصّة «الدكتور هيدا» ومسيرة حياته يكشف المؤلف عن مدى «إخفاء الحقائق» في المجال النووي منذ عملية قصف هيروشيما، حيث جرى استخدام عدد من الضحايا كـ«مادّة للتجارب»، وكيف جرت إحــــاطة كل ما جرى للمدينة وما تعرّض له الضحايا بـ «السريّة التامّة» مما وضع حاجزا كتيما أمام اية عمليات تحقيق جديّة حول حقيقة ما جرى. والتأكيد في نفس السياق أن ذلك الموقف لم يتغيّر منذ الحادث النووي الخطير الذي عرفته مفاعلات فوكوشيما في شهر مارس من عام 2011. ونفس «الآليات» بقيت سارية المفعول ومطبّقة بصورة صارمة.

ويشرح المؤلف بالاعتماد على الدكتور هيدا وخبرته في المجال المعني بعد أن قام بعلاج المصابين بالإشعاعات النووية على مدى ستة عقود كاملة وغيره من المصادر التي توصّل لها أنه بعد حالات التفجّر والتسرّب الشعاعي في مفاعلات فوكوشيما تمّ «التلاعب في تحديد عتبات الخطر» كما جرى أيضاً «إخفاء النفايات النووية».

والنتيجة التي يخلص لها المؤلف هو أنه لم يتم الكشف عن حقائق الأخطار النووية خــــلال العقود السبعة السابقة العسكرية منها والمــــدنية في اليابان. بل تجري بالمقابل محاولة التقليل منها إلى أقصى حد ممكن. عام 1945 حتى اليوم.

ويمكن القول في المحصّلة، ان هذا كتاب عن أخطار الإشعاعات النووية والغبار النووي، ولكن من خلال سيرة رجل ــ طبيب جعل من تلك القضية معركة حياته منذ أن وضعه قدره في موقع غير بعيد عن مدينة هيروشيما اليابانية عندما دمّرتها القنبلة الذرية في مطلع شهر أغسطس من عام 1945.