لا شك أن الثورة الصناعية الكبرى قبل ثلاثة قرون من الزمن غيّرت الشيء الكثير في حياة البشر. وحلّت الآلة شيئاً فشيئاً مكان العمل اليدوي الإنساني. لكن الثورة الرقمية التي لا يبلغ عمرها سوى بضعة عقود قليلة أحدثت انقلاباً كبيراً في الانتقال إلى عصر غدت فيه شبكات الانترنت متواجدة في دقائق الحياة اليومية كما في مختلف النشاطات الإنسانية.

سلسلة الكتب التي ناقشت آثار الثورة الرقمية وما أنتجته من تغييرات في حياة البشر غدّت تُعدّ بالمئات بل بالآلاف. هذا فضلاً عن تعدد المظاهر والمشارب التي تهتم بها.

ومن بين الكتب التي أثارت قدراً كبيراً من الاهتمام العمل الذي قدّمه «ديفيد روز»، تقني المعلوماتية ورجل الأعمال الأميركي الذي أسس شركة مختصّة بإنتاج «الأشياء المتداولة عبر الشبكات». يحمل الكتاب عنوان «الأشياء المسحورة» ويناقش فيه المؤلف ما ينتظره البشر من هذا النشاط الجديد الذي تتسع بتواتر كبير رقعة المتعاملين فيه.

وما يقصده المؤلف بـ «الأشياء المسحورة» هو بالتحديد تجهيزها بما يسمح بوصلها مع شبكات الانترنت بحيث تكتسب مجموعة من السمات «الاستثنائية». ويسوق مثالا ل «الأشياء المسحورة» هو ذلك البرنامج الذي تعمل عليه مجموعة «غوغل» والذي سيتولى «إخطارك بالمكان الذي يتواجد فيه أفراد أسرتك وبالمسافة التي تفصلهم عن المنزل». ومكمن «سحر آخر» يتمثّل في «جدار مسحور في مطبخ منزلك يمكنه أن يوضّح الحالة المعنوية لأفراد الأسرة عبر خطوط ضوئية ملوّنة».

إن أشياء كثيرة كانت تعمل حتى الآن بـ «استقلالية تامّة» هي بصدد أن تصبح موصولة بشبكة «الويب» وبالتالي تابعة لها. أشياء كان التفكير بها حتى فترة قصيرة ضربا من «الخيال العلمي». لكن يبدو أنه ليس بعيدا اليوم الذي تصبح فيه «أجهزة التبريد في المنازل» تعمل بأوامر وآليات يتم تنظيمها «رقمياً».ويرى ديفيد روز، أن تلك الأدوات التي يطلقون عليها تسمية «الأشياء الصغيرة المسيّرة معلوماتياً» يمكنها أن تغيّر جذريا العلاقة مع المعرفة السائدة اليوم في مختلف المشارب التي تجد تطبيقاتها فيها. هكذا يتخيّل في أحد الأمثلة الأخيرة «النظارات المسحورة» التي تسمح لمن يضعها على عينيه في إحدى السهرات العامّة أن تدلّه على أسماء الحضور عبر كتابة أسمائهم فوق رؤوسهم، مع نبذة مختصرة عن سيرة حياتهم.