بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تغيّرت وتطوّرت كثيراً صورة روسيا في العالم الغربي خاصّة، وفي العالم برمّته. لقد بدت في ظل «بوريس يلتسين»، رئيسها الأوّل في حقبة ما بعد الشيوعية، كأنها تابعة للإرادة الغربية، وأن طموحها الأساسي هو أن تحظى بقبول الغرب فيها كبلاد تسير في طريق النهج اللبرالي. ثمّ حلّت اعتباراً من عام 2000 حقبة جديدة بوصول فلاديمير بوتين إلى الرئاسة. وبدا عندها أن روسيا تريد أن تنحو باتجاه الحصول على دور فاعل على المسرح العالمي.
لكن «كل ما نعرفه عن روسيا هو خاطئ»، هذا ما يؤكّده الكاتب روسي الأصل «بيتر بوميرانتسيف»، المقيم في العاصمة البريطانية لندن منذ سنوات طويلة، والذي كان قد عاد إلى بلاده الأصليّة في بداية هذا القرن. وهذا ما يشرحه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «لا شيء صحيحاً وكل شيء ممكن»، مع عنوان فرعي مفاده: «مغامرات في قلب روسيا الحديثة».
يشير المؤلف في مقدّمة الكتاب إلى أنه أحسّ برغبة جامحة لا تمكن مقاومتها بالعودة إلى روسيا في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين. نقرأ:« لقد أردت الاقتراب من روسيا. ذلك أن لندن بدت لي ضيّقة وليس فيها ما هو جديد، كما أن أميركا حيث تقيم عائلتي التي هاجرت إليها بدت محصورة الأفق وكل شيء فيها مبرمج. أمّا روسيا فقد بدت لي حينها أنها زاخرة بالحيوية وأن كل شيء ممكن فيها».
هكذا بدأت رحلة «المغامرات في قلب روسيا». وتلك المغامرات التي عاشها مع زوجته وابنته أثناء عمله في التلفزيون الرسمي الروسي هي التي يعرضها المؤلف في هذا الكتاب. ذلك دون الالتزام بأي تسلسل زمني سوى بالأحاسيس التي وردت إلى ذهنه وسرد سلسلة طويلة من الحكايات. وهو يسعى بشكل واضح إلى تقديم رؤية شاملة «بانورامية» للمحرّكات الأساسية التي تسيّر المجتمع الروسي «الحديث» بنسخته الحاليّة في مختلف مجالات الثقافة والاقتصاد والسياسة.
وبكل الحالات لا يتردد في القول إن تلك التجربة قدّمت صورة أكثر ثراء وتنوّعاً مما كان يرتقب. هذا فضلاً عن الكمّ الكبير من التناقضات التي تحتوي عليها ظواهر شائعة يمتزج فيها التعلّق بالنموذج الغربي والتمسّك بالروح الروسية ــ الشرقية.
ومما يؤكّده المؤلف ويقدّم نماذج عدة للدلالة عليه في حياة الروس هو أن «الفساد موجود بدرجة كبيرة على مختلف المستويات». هكذا يولي الموظفون الأولوية لتلقي «الرشاوى» بدلاً من تطبيق القوانين النافذة، بما في ذلك جني الضرائب المطلوبة للخزينة العامّة. ولا يتردد المؤلف في التأكيد بهذا السياق أن نسبة «99 بالمائة الذين تتم إحالتهم إلى القضاء يستحقون الإدانة».
وبعد الإشارة إلى أنه هناك حالة «معممة» من الفوضى على الصعيد العالمي، يؤكّد المؤلف أن مثل هذه الحالة «ذهبت بعيداً» بالنسبة إلى النموذج الروسي الراهن، حيث إن «الفوضى» غدت وكأنها تنتمي إلى «عالم سريالي». وأن ذلك يعكس حالة «التعقيد الكبير» الذي يتسم به الواقع الروسي اليوم. ذلك إلى درجة يسأل معها «بيتر بوميرانتسيف» بنوع من القلق: ماذا يجري في روسيا حقيقة؟.
المؤلف في سطور
بيتر بوميرانتسيف. من مواليد مدينة كييف، لكنه عاش منذ سنوات طفولته في إنجلترا برفقة والديه، اللذين هاجرا إليها كلاجئين سياسيين. عاد في عام 2000 إلى موسكو للعمل في مجالي التلفزيون والسينما.
الكتاب:لا شيء صحيحاً وكل شيء ممكن: مغامرات في قلب روسيا الحديثة.
تأليف: بيتر بوميرانتسيف
الناشر: فابر اند فابر ــ لندن ــ 2014
الصفحات:
284 صفحة
القطع: المتوسط
Nothing is true and Everything is possible
Peter Pomerantsev
Faber and Faber - London 2014
284 PP
