أصبح الصعود الاقتصادي الصيني حقيقة ملموسة يقرّ بها الجميع من أصدقاء أو خصوم. ولا يخفى على أحد أن «الشهيّة الصينية»، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تذهب في جميع الاتجاهات كما يدل التواجد الصيني في القارّة الإفريقية وفي غيرها من مناطق العالم الغنيّة بالثروات الطبيعية..
وخاصّة مصادر الطاقة. والتوجّه الصيني الجديد ينحو صوب القارّة القديمة، أوروبا. هذا ما يدلّ عليه «الزحف» الذي تقوم به الشركات الصينية نحو العديد من بلدان أوروبا الغربية، بحيث أنها غدت جزءا من المشهد الاقتصادي الأوروبي.
وهذا هو بالتحديد موضوع كتاب «فيليب لو كور»، الباحث في مؤسسة بروكلين بواشنطن وأستاذ العلوم السياسية في باريس منذ عدّة سنوات و«آلان سيبولشر» المستشار الدولي والمدير السابق لشركة توتال الفرنسية للبترول في الصين والأستاذ في جامعة «دوفين» بباريس. يحمل الكتاب عنوان «الهجوم الصيني في أوروبا».
فكيف جرى هذا «الهجوم»؟. وما هي سياسة الاستخدام التي تنتهجها الشركات الصينية في الوسط الجديد وما مدى تأقلمها مع الممارسات وشروط العمل الغربية؟. ثمّ كيف يستقبل الأوروبيون هؤلاء «الغرباء» الذين يبرزون فجأة في المشهد الأوروبي؟.
وما هي الأسباب التي تدعو الصين للاهتمام بأوروبا؟ وما هو حجم الاستثمارات الأوروبية في الصين؟. هذه هي بعض الأسئلة التي يطرحها مؤلفا الكتاب ويحاولان الإجابة عليها، وعلى غيرها، على مدى صفحات كتابهما.
وإذا كان المؤلفان يقومان بنوع من الجرد لواقع تعاظم استثمارات الشركات والمؤسسات الصينية العاملة في أوروبا خلال السنوات القليلة الأخيرة، فإنهما يوليان اهتماما كبيرا لدراسة «النتائج الإيجابية والسلبية» التي تترتب على هذه الظاهرة الجديدة المتمثّلة بالصعود الصيني ــ الأوروبي.
والإشارة أن دراسة تلك النتائج تتم على صعيد الآثار المترتبة على «قطاع التمويل» في وقت تمر فيه أوروبا بأزمة حقيقية على هذا الصعيد، خاصّة بالنسبة لبعض البلدان مثل اليونان. وكذلك على صعيد صعوبة «التواصل» بين ثقافتين متباينـــتين، إلى درجة التناقض أحيانا..
وأيضا على صعيد أثر الوجود الصيني على صورة الصين التي تشكّل في المخيّلة الجماعية أحد مصادر التهديد بالنسبة للأوروبيين. ثمّ هناك مسألة تتردد في أذهان كُثر من سكان القارّة القديمة وتتعلّق بـ «الثمن السياسي» للحضور الصيني الكثيف في المشهد الاقتصادي الأوروبي.
تتمثّل إحدى الأفكار التي تتردد في تحليلات الكتاب بالتأكيد على أن الصين بعد أن كانت قد أولت اهتمامها الرئيسي في فترة سابقة للتنمية على الصعيد الداخلي..
كان ذلك بالتحديد خلال حقبة الرئيس الصيني السابق «هوو جينتاو»، للاستثمار في البلدان الغنيّة بالمواد الأولّية. نقرأ: «في ظل هوو جينتاو أعطت بكيّن الأولوية لتطوير الاقتصاد الداخلي. من هنا بالتحديد عمدت لاستثمار مبالغ مالية طائلة في إفريقيا وأميركا اللاتينية الغنيّتين بالثروات الطبيعية».
ثمّ حلّت مرحلة جديدة تمثّلت في التوجه نحو البلدان المصنّعة وبالتحديد «التوجّه نحو الغرب». هذا ما يشرحه المؤلفان بكون أن طريق «التوجّه نحو الشرق» لم يكن سالكا.
في مثل ذلك السياق تدفّقت الأموال الصينية على الاستثمار في العديد من بلدان أوروبا الغربيّة. والإشارة أن الصين «ولجت إلى القارّة الأوروبية» من جنوبها وخاصة عبر بلدان ثلاثة هي اليونان والبرتغال وإيطاليا. وقد استفادت من وضع الأزمة المالية والاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها البلدان الثلاثة في السنوات الأخيرة.
ما يؤكّده المؤلفان في تحليلاتهما هو أن الحكومة الصينية أظهرت دعما قويّا للمستثمرين الصينيين للتوجّه نحو القارّة الأوروبية «الرأسمالية». ذلك في منظور تشكيل نوع من «مجموعة الضعط ــ لوبي» بصورة «هادئة».
النتيجة الأساسية التــي يصل لها المؤلفان مـــفادها أن ظاهرة تعاظم الوجود الاقتصادي الصيني في أوروبا لا تشكّل تهديدا. فقط ينبغي على الأوروبيين أن ينظروا للاستــثمارات الصينية مثل غيرها من الاستثمارات على ضوء الربح المتبادل.
المؤلفان في سطور
فيليب لوكور، باحث في مؤسسة بروكلين في واشنطن وأستاذ منذ عدّة سنوات في كليّة العلوم السياسية في باريس. عمل سابقا لمدّة عشر سنوات في مجال الصحافة حيث كان مراسلا لعدة مطبوعات فرنسية في آسيا. له عدّة مؤلفات عن العالم الصيني بشكل خاص.
وآلان سيبولشير يعمل في حقل الاستشارة العالمية. وكان مديرا لشركة توتال للبترول في الصين. يعمل أستاذا في جامعة دوفين بباريس وفي الجامعة الصينية بهونغ كونغ.
الكتاب: الهجوم الصيني في أوروبا
تأليف: فيليب لو كور وآلان سيبولشير
الناشر: فايار ـ باريس ـ 2015
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
L’offensive chinoise en Europe
Philippe le Corre , Alain Sepulchre
Fayard- 2015
200 pp

