إفريقيا هي القارّة الأكثر فقراً في العالم اليوم. لكنها دون شك هي «الأكثر ثروة» في الوقت نفسه. هذه المفارقة الهائلة تجد ترجمتها في واقع أن القارّة «السمراء» لا تمثّل اليوم، من جهة، سوى 2 بالمائة من إجمالي الإنتاج العالمي بينما تختزن أرضها نسبة 15 بالمئة من البترول الخام في العالم و40 بالمئة من مادّة الذهب الثمينة و80 بالمئة من مادة البلاتين ذات القيمة الإستراتيجية الكبيرة. وهي تمتلك أيضا ثلث حقول المعادن المعروفة اليوم. وهذه الأرقام كلّها تعطي المصداقية لمقولة ان إفريقيا هي القارّة صاحبة «أكبر ثروة في العالم».

ومع ذلك إفريقيا هي أرض البؤس والأوبئة ونقص الخدمات العامّة والمرافق الصحيّة وكل مظاهر البؤس في مختلف الميادين. والمسؤول عن ذلك يكمن بالدرجة الأولى في «آلة النهب»، كما جاء في عنوان كتاب «توم بورجيس»، الصحافي الذي أجرى تحقيقاته في مختلف قارات العالم وعمل مراسلا لصحيفة «الفننشال تايمز» في لاغوس وجوهانسبورغ، ويقيم حاليا في لندن.

يُكرّس «بورجيس» كتابه لدراسة آليات عمليات النهب التي تستهدف الثروات الإفريقية وعلى رأسها «البترول» و«حقول المعادن». وهو يناقش هذه المسألة من خلال تجربته الشخصية في معايشة الواقع على الأرض «في الميدان» حيث «تعقّب عن قرب» عدداً من أولئك الذين يدعوهم بـ«بارونات البترول» في النيجر وأنغولا وجنوب إفريقيا وغينيا.

وفي جميع الحالات يكشف المؤلف عن حالة «الفساد المستشري» الذي تمارسه الشركات العالمية الكبرى على صعيد مختلف مراحل استغلال الثروات الطبيعية الإفريقية. هكذا يقدّم صورة «مغرقة في التشاؤم» بالنسبة لـ«الفجر الموعود» الذي ينتظر القارّة الإفريقية. ذلك أنه يرسم صورة فيها الكثير من «الظلال» لواقع هذه القارّة اليوم.

ولا يتردد المؤلف في تعيين المستفيدين الرئيسيين من «آلة النهب» بحيث يصنّفهم في فئات «مجموعات من طبيعة المافيا» تضمّ «رجال أعمال فاسدين» و«مسؤولين في الإدارات الحكومية» و«شركات متعددة الجنسيات عملاقة». ويشرح المؤلف أن لهذه المجموعات علاقات مع مجموعات مثيلة متواجدة في بلدان مثل هونغ كونغ والتي تستخدم في علاقاتها مختلف شبكات التواصل الاجتماعي.

ويتم الحديث في هذا السياق عن «عصابات» وسادة حرب نهّابين «يتنقلون بحقائب مليئة بالأوراق المالية» بحيث يبدو أن القارئ أمام رواية بوليسية بينما أن الأمر يتعلّق بعمل «توثيقي» وبثروات حقيقية مستخرجة من أرض إفريقيا لتصل إلى بلدان على بعد آلاف الأميال.

وإذا كان مؤلف الكتاب يتعرّض في عمله لدراسة مجموعة من الحالات ــ البلدان الإفريقية فيما يتعلّق بتأثير «آلة النهب» عليها، فإنه يناقش أيضا الآثار السلبية المترتبة على ما يسميه «لعنة الثروات» في إفريقيا التي لا ينال أغلبية الأفارقة أيّة فائدة منها، بل على العكس تتردّى أحوالهم على عكس البلدان التي عرفت كيف توظّف ثرواتها لصالح مواطنيها.

وبكل الحالات يبقى الأفارقة هم «الأكثر فقراً» بين مختلف قارّات العالم. وينتهي المؤلف بالتأكيد بأشكال مختلفة على «المسؤولية الاجتماعية والإنسانية» لأولئك الذين يلجؤون «عن وعي كامل» إلى استخدام «آلة النهب» المبرمجة لثروات القارّة الإفريقية بحيث يتم تفريغها من ثرواتها.

آلة النهب.. السرقة المبرمجة لثروات إفريقيا

المؤلف في سطور

 

عمل توم بيرجيس مراسلاً صحافياً في مختلف قارات العالم. وكان مراسلاً لـ «الفننشال تايمز» في لاغوس وجوهانسبورغ لمدّة خمس سنوات، يقيم حالياً في العاصمة البريطانية لندن ويتابع الكتابة مع نفس الصحيفة. هذا هو الكتاب الأوّل للمؤلّف.

 

الكتاب: آلة النهب، السرقة المبرمجة لثروات إفريقيا

تأليف: توم بورجيس

الناشر: بوبليكافير ــ لندن ــ 2015

الصفحات: 321 صفحة

القطع: المتوسط

The looting machine

Tom Burgis

Publicaffairs - London 2015

321 PP