بريطانيا بلد عريق وهي مهد أساسي لانطلاق الثورة الصناعية الكبرى. ولا شك أنها سادت لفترة على المسرح العالمي عندما كانت سيدة البحار. ولا شك أيضاً أن البضائع البريطانية كانت لفترة من الزمن رمز الجودة وغزت بالتالي أسواق العالم. لكن الأمم تفخر بماضيها، وهي لا تعيش مع ذلك على هذا الماضي.
والباحث والصحافي الاقتصادي البريطاني «ويل هيوتن»، الذي قدّم قبل قرنين من الزمن كتاباً تحت عنوان «الدولة التي نعيش فيها» غدا بمثابة الدليل الأساسي لحزب العمال البريطاني ولقياداته في السلطة وخارجها، يقدّم كتابا جديدا عن الوضع «المتقهقر»، حسب توصيفه، الذي تعرفه بريطانيا اليوم. يحمل الكتاب عنوان «كيف يمكننا أن نكون جيّدين» ويبحث فيه مؤلفه سبل «الانتهاء من المجتمع المهزوم وبناء بلد عظيم»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.
لا يتردد «ويل هيوتن» في التحليلات التي يقدّمها بالقول انه بعد نهاية فترة حكم مرغريت تاتشر ووصول جون ميجر إلى الحكم ولجت بريطانيا مسارا يمكن أن يقودها نحو «لحظة من التأرجح » الذي لا يمكن معرفة مآله مسبقاً. وبالتالي لا بدّ منّ القيام بـ «تغيير حقيقي» في التوجهات الإستراتيجية الاقتصادية وما يترتب على ذلك من تغيّير في النهج السياسي والاجتماعي.
إن تحليلات هذا الكتاب تتركّز أساسا حول محورين رئيسيين. الأول يتمثّل في محاولة تقديم عملية «تشخيص» للوضع الذي تعرفه بريطانيا اليوم. والثاني في محاولة تقديم مجموعة من الاقتراحات حول التوجهات الجوهرية التي يرى أنها ضرورية للخروج من واقع «المجتمع المهزوم وبناء بلد عظيم»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
على صعيد التشخيص يرى المؤلف أن العقدين المنصرمين لم يكونا عنوانا للنجاح البريطاني اقتصاديا وسياسيا ومجتمعيا. ويحدد القول ان فترة حكم حزب العمال الجديد الذي يمثّل «اليسار في مواجهة المحافظين» كانت «حظّا» بالنسبة لجيله. لكن ذلك «الحظ ــ الفرصة جرى التفريط فيه» من قبل الحكومات التي تعاقبت على السلطة خلال العقدين المنصرمين.
والإشارة أن النجاحات النسبية، التي عرفتها السنوات الأولى لحكومة «توني بلير» في عدد من المجالات مثل تحديد حدّ أدنى للأجور والرواتب والتغييرات الدستورية التي أُجريت، أعقبتها سريعا حالة من «التردد والتباطؤ» في السياسات الإصلاحية.
ومن الأعراض التي يتم التأكيد عليها في هذا الإطار وجود حالة من «عدم الثقة» على صعيد المؤسسات العامّة على خلفية سوء الإدارة من جهة، وبروز العديد من الفضائح «السياسية» في الميادين المتعلّقة بتسيير تلك المؤسسات واستخدامها لمصالح خاصّة على حساب الصالح العام.
والتأكيد في نفس الإطار على أنه شاع في بريطانيا البحث الحثيث عن «حياة الترف والرفاهية» عبر الاستفادة من قوانين السوق التي فرضتها الليبرالية في إطار العولمة. ذلك على حساب التحلّي بروح العدالة والمشاركة في الفائدة بين مختلف الشرائح الشعبية.
ويرى «ويل هيوتن» أنه حان الوقت كي يقوم «حزب العمال الجديد» في بريطانيا بانطلاقة جديدة. والتحالف من أجل إنجاز ذلك مع أنصار البيئة «الخضر» ومع الشرائح الديمقراطية من الليبراليين. ذلك في سبيل وضع حد لمخاطر «سرطان تعميق التفاوت الاجتماعي»، حسب تعبير المؤلف. وعلى اعتبار أن هذا التفاوت يخلق «حالة من غياب مشاعر وجود هدف مشترك ومن كبح أي تداخل خلاّق على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحيث يغدو التواصل مستحيلا».
ومن الشروط الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف للنهوض ببريطانيا من جديد كي تأخذ مكانتها في طليعة بلدان العالم «العمل على إحياء النقابات بحيث تكون شريكة في امتلاك الشركات». ذلك بعد أن كان قد جرى تهميشها وإضعافها والتشكيك بشرعيتها في الفترة السابقة. ويطرح المؤلف فكرة أن تتمتع النقابات المتجددة بـ«إنشاء شركات للخدمات بحيث تبيع خدماتها لأرباب العمل».
والكتاب، يقدّم مؤلّفه تشخيصه للوضع البريطاني القائم ويرسم بالوقت نفسه «خريطة طريق» في منظور المستقبل.
المؤلف في سطور
ويل هيوتن، كاتب وباحث بريطاني معروف. يساهم في كتابة مقال أسبوعي منذ سنوات في صحيفة «الغارديان» البريطانية. وهو أستاذ للاقتصاد في جامعة أكسفورد. من مؤلفاته «الدولة التي نعيش فيها»، الذي وجد عند صدوره عام 1995 أصداء استثنائية في بريطانيا، و«الدولة القادمة».....الخ.
الكتاب:كيف يمكننا أن نكون جيّدين؟
تأليف: ويل هيوتن
الناشر: ليتل وبراون ــ لندن ــ 2015
الصفحات: 285 صفحة
القطع: المتوسط
How good can be
Will Hutton
Little , Brown
London - 2015
285 pp.

