تدور نقاشات حامية عديدة في الاتحاد الأوروبي اليوم حول مستقبل مسيرة التوحيد الأوروبي. وإحدى نقاط الخلاف الكبرى، إلى جانب المشاكل المطروحة بالنسبة للعملة الأوروبية الموحّدة ــ اليورو ــ وسبل معالجة الأزمات التي تعاني منها منطقته، هناك مسألة أكثر عمقاً وتتعلّق بالهوية الأوروبية ذاتها وبمستقبل الاتحاد الأوروبي.

ذلك تحديداً من خلال دور ألمانيا فيها. وهذا ما يتم عامّة التعبير عنه بالتساؤل التالي : هل ألمانيا أوروبية أم هل أوروبا ألمانيّة؟.

على مثل هذا التساؤل كان الكاتب توماس مان قد أجاب بالجملة التالية: «إن البديل الوحيد لأوروبا ألمانية هو ألمانيا أوروبية». لكن الكاتب ورجل القانون البرتغالي والأستاذ في جامعة برشلونة «ادواردو باز فيريرا»، رئيس «معهد الشؤون الاقتصادية والميزانيات والتمويل» في لشبونة، يقدّم إجابة أخرى مفادها أنه تنبغي إقامة «اتحاد نقدي أوروبي من دون برلين». وهذا بالتحديد ما يشرحه في كتابه الذي يحمل عنوان «من أوروبا شومان إلى نفيها من ميركل».

المقصودان هما «روبير شومان »و«انجيلا ميركل». ويقوم المؤلف بداية بتقديم روبير شومان على أنه أحد «البناة الأساسيين لمسيرة التوحيد الأوروبي».

وكان قد انطلق في مشروع تلك المسيرة الموحّدة من العمل على إقناع الأوروبيين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أنه عليهم أن يلقوا جانباً «فؤوس الحرب»، مرّة واحدة وإلى الأبد، وأنه هناك «ضرورة حيوية» للشروع ببناء أوروبا الموحّدة في سبيل تحقيق الازدهار والسلام والحريّة للجميع.

ويتم تحديد الأفكار الأساسية لروبير شومان أنه كان يريد خلق المناخ الذي يسمح للأوروبيين بتعزيز الروابط الحقيقية بينهم من أجل أن يغدو السلام الدائم ممكناً. وهكذا لم يعمد إلى تكرار النغمة التي كانت تتردد كثيراً حول ضرورة «إنهاء النزعة القتالية» لدى ألمانيا التي كانت وراء انطلاق شرارة الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

 بل سعى لإيجاد سبل الجمع بين ألمانيا وفرنسا، على أساس أنهما القوتان الأساسيتان في أوروبا. وليس الجمع بينهما بالكلام فقط ولكن أوّلاً وأساساً «إيجاد مصالح مشتركة بينهما.

ويقترح المؤلف نوعاً من «مخطط العمل العام» الذي ينبغي على الأوروبيين انتهاجه من أجل «تصويب» و«تعزيز» البناء الأوروبي وتطويره ونزع الصفة الجرمانية عنه. هذا بمعنى العمل على العودة إلى المشروع الأساسي للاتحاد الأوروبي كـمجال للتنمية والتضامن وليس مجرّد قارّة خاضعة للسيطرة الألمانية. بهذا المعنى يؤكّد فيريرا على هواه الأوروبي. لكنه يسأل: هل هناك أوروبا قادرة على الاستجابة لهذا المشروع؟.

وفي المحصّلة العامّة يشرح المؤلف في مختلف تحليلات الكتاب أن أوروبا التي أرادها روبير شومان على أساس إنجازات ملموسة والتي تخلق قبل كل شيء حالة من التضامن قد جرى تزويرها والتنكّر لأهدافها من قبل ألمانيا بقيادة المستشارة الحالية انجيلا ميركل. وذلك بـ التواطؤ مع المفوضية الأوروبية ومع مجموع الدول الأعضاء عمليا.

وبذلك حلّت المنافسة بدلاً من التضامن. والنتيجة هي، كما يتم تحديدها، هي نفي أوروبا، بالمعني المستخدم في عنوان الكتاب. بالتالي لا بدّ للخروج من حالة الانسداد، التي تواجهها أوروبا اليوم من فرض رؤية جديدة يمكن لبلدان جنوب أوروبا، وخاصّة فرنسا وإيطاليا ، ان تلعب دوراً حاسماً في صياغتها. ومن هنا بالتحديد يمر بالضرورة طريق الخلاص، حسب تحليلات فيريرا، وإلاّ سينفرط عقد مسيرة التوحيد الأوروبي، كما يشرح على مدى صفحات الكتاب.