من المعروف أن اللغة الإنجليزية غدت اليوم هي اللغة العالمية بامتياز. إنها لغة العلم والاقتصاد والسياسة والمحافل الدولية. هذا الأمر لم يعد موضوع خلاف وجدال. لكن لا يعني أن اللغات الأخرى قد رفعت الرايات البيضاء وأعلنت استسلامها أمام اللغة الإنجليزية الزاحفة.

وفي مقدّمة اللغات التي تعتبر نفسها مستهدفة من اجتياح اللغة الانجليزية المدعومة بـ «الحامل الأميركي» القوي في عالم اليوم هناك اللغة الفرنسية. وليست قليلة هي الإستراتيجيات التي رسمها المسؤولون الثقافيون على مختلف مستوياتهم من أجل أن تحافظ اللغة الفرنسية على مكانتها العالمية. وليست قليلة أيضا الكتب التي جعلت من اللغة الفرنسية ومكانتها العالمية موضوعا لها.

من بين هذه الكتب الصادرة قبل اسابيع قليلة كتاب «ايف مونتني»، المختص بالجغرافيا البشرية، ومدير معهد ثقافة الاقتصاد والجغرافيا السياسية ـ جيوبوليتيك بباريس، الذي يحمل عنوان «اللغة الفرنسية: سلاح لتوازن العولمة».

تجدر الإشارة أن النسخة الأولى من هذا الكتاب صدرت في عام 2005 تحت عنوان اللغة الفرنسية في مواجهة العولمة. ويساهم في هذه النسخة الجديدة تماما بعد إعادة النظر بالأولى على ضوء المستجدات داميان سوبار خريج كليّة العلوم السياسية ومدرسة الحرب الاقتصادية بباريس والذي يصب اهتمامه الرئيسي منذ عدّة سنوات على دراسة مكانة اللغة الفرنسية في العالم.

الملاحظة الأولى التي تنطلق منها تحليلات هذا الكتاب تتمثل في القول اننا نعيش اليوم في عالم تتعدد فيه الأقطاب أكثر فأكثر وتعدد بالتوازي الإستراتيجيات اللغوية. ثم يفتح المؤلفان مباشرة قوسين لتثبيت ملاحظة أخرى مفادها أن مجرّد رصد نشاطات «المنظمة الدولية للفرنكفونية» التي تضم البلدان الناطقة باللغة الفرنسية كليّا أو جزئيا، يبيّن، أي الرصد، أنه «لم تكن هناك أبدا إستراتيجية مكرّسة للدفاع عن اللغة الفرنسية».

مثل هذا الواقع يستدعي بالضرورة، كما يتردد في التحليلات المقدّمة، الشروع في صياغة سياسة لغوية قويّة ومتوازنة تكون مكرّسة للدفاع عن مكانة اللغة الفرنسية في العالم، هذا إذا كانت لا تريد أن تُفرض عليها «إرادة فضاءات لغوية أخرى». وما يعني على أرض الواقع المعاش «كبح» الزحف اللغوي الإنجليزي الذي تعبّر عنه مقولات من نوع :« كونوا في صف الحداثة وتكلّموا اللغة الإنجليزية» أو «اللغة الفرنسية غدت من متاع الماضي».

وعلى أساس ملاحظة أن معطيات العالم قد تغيّرت وأن موازين قوى جديدة قد برزت يرى المؤلفان أن اللغة الفرنسية لم تعد لغة النخب الأوروبية فحسب، بل هي لم تعد لغة النخب الفرنسية نفسها. الأمثلة المقدّمة على ذلك كثيرة وليس أقلّها بلاغة أن مجالس إدارة العديد من المؤسسات الفرنسية الكبرى تستخدم في أحيان كثيرة، وبحضور فرنسيين فقط، اللغة الإنجليزية في اجتماعاتها. كما أن اللغة الإنجليزية غدت هي لغة التعامل الرسمي الأولى في إطار المؤسسات الأوروبية.

بالمقابل يؤكّد المؤلفان أنه «لا بديل عن استخدام اللغة الأم من أجل التزوّد بفكر وفهم عميقين. كما يؤكّدان أيضا أن «المنظّمة الدولية للفرنكفونية» ليست فاعلة على صعيد الدفاع عن «علّة وجودها»، أي مكانة اللغة الفرنسية في العالم. وأن هناك «فراغا على صعيد المفاهيم كما على صعيد الجغرافيا» بالنسبة لهذه المنظّمة التي أقامها موظفون ودبلوماسيون ليست اللغة الفرنسية هي همّهم الأول.

أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب يتمثل في السباحة ضد تيار أولئك الذين يوجهون أصابع الاتهام للعولمة في انحسار اللغة الفرنسية وغيرها من اللغات. إنهما يقرّان في تحليلاتهما على أن العولمة تأخذ «نكهة أميركية». لكنهما يؤكّدان أن «العولمة تساعد اللغة الإنجليزية. وتساعد اللغة الفرنسية أيضا».

وكتاب يسترجع فيه مؤلفاه «التاريخ المضطرب» للغة الفرنسية ومسار تقدّمها وانحسارها. كما يشرحان أنه إذا كانت اللغة الفرنسية قد شاعت وانتشرت وتعززت بفضل أفكار عصر التنوير والثورة الفرنسية قديما، فلا شك أنها تواجه اليوم «ضغط أميركا والعولمة».