يحظى قطاع التعليم العالي باهتمام كبير في مختلف البلدان المتقدّمة. وهو من المواضيع التي يتم التعرّض لها بالنقاش كثيراً عبر مختلف وسائل الإعلام. وما يعرفه الجميع هو أنه من أشكال التمييز العنصري الأكثر بروزاً في الولايات المتحدة كان حتى عقود غير بعيدة في مجال التعليم العالي، حيث كان حظراً على البيض كطلبة وكأساتذة.

هكذا كانت «لاني غينير» هي «الملوّنة الأولى»، حسب التوصيف الذي يطلقونه على السود ذوي الأصول الإفريقية في أميركا، التي عملت كأستاذة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد الأميركية الشهيرة. ذلك بعد ان عملت لمدّة عشر سنوات كأستاذة للقانون في جامعة بنسلفانيا.

و«لاني غينير» هي مؤلفة كتاب «طغيان الكفاءة الفردية» الصادر في شهر فبراير من هذا العالم 2015. وهي تناقش فيه المسائل المتعلّقة بالتعليم العالي في الولايات المتحدّة الأميركية من مختلف الجوانب المتعلّقة بالعرق والجنس والمنشأ الاجتماعي وطريقة اتخاذ قرارات القبول في الجامعات.

 وكذلك تناقش ما تّطلق عليه توصيف «التمييز الإيجابي»، الذي يعطي بعض الأولويات لولوج مختلف الأقليات العرقية وغيرها إلى مجال التعليم العالي. بتعبير آخر تناقش المنظومة التعليمية الجامعية الأميركية بمجمل وجوهها.

ومن المسائل الأساسية التي تتجه لها المؤلفة بالنقد في هذه المنظومة الجامعية هي تلك التي تتعلّق بـ « طريقة قبول الطلبة» في الجامعات والمعاهد التابعة لها.

القسم الأول من الكتاب مكرّس بشكل رئيسي لإبراز النواقص والعيوب التي يعاني منها النظام التعليمي العالي في الولايات المتحدّة الأميركية. والإشارة في هذا السياق إلى مجموعة من الأساليب التي ترجّح باستمرار كفّة الذين ينتمون إلى النخب.

تشرح المؤلفة في استهلال عملها أن الدور المناط بالجامعات الأميركية يتمثّل «نظريا» في أحد وجوهه الأساسية بأن تخدم كـ « محرّك للدينامية الاجتماعية: في اتجاه تحقيق الوعود المتكررة بـ «التساوي في الحظوظ» بالنسبة لجميع الأميركيين فيما يتعلق بمجال التعليم العالي.

لكن المؤلفة ــ الأستاذة الجامعية في هارفارد ترى أن الواقع العملي لا يترجم مثل تلك الوعود. ذلك أن نظام القبول في التعليم العالي يخضع بشكل كبير لـ«طغيان مفهوم الكفاءة الفردية»، أي المفهوم الذي جعلته عنواناً للكتاب.

وفي وجه عام، فإن الكتاب يحمل رسالة ــ دعوة لـ «تغيير ثقافة التربية» في النظام الجامعي الأميركي القائم، وخاصّة من حيث الطريقة في قبول الطلبة وتعليمهم وإجراء الامتحانات وطريقة التفكير والتهيئة لدخول الحياة الاجتماعية. ذلك على أساس أهميّة الرهانات المترتبة على ذلك بالنسبة لمستقبل الأجيال الشابّة، وأبعد من ذلك بالنسبة لمستقبل البلاد.